Showing posts with label فرويد. Show all posts
Showing posts with label فرويد. Show all posts

Saturday, April 12, 2014

"لقد قتلوني يا عمة!"

الماتامورو لفظة إسبانية تعني "قاتل العرب" أو سفاح العرب، أما الذي كان مقصوداً بها فهو القديس الراعي للمملكة الأسبانية الكاثوليكية من الفترة 1600 وحتى 1760، وقد رُجحت كفة الماتامورو على كفة القديسة تيريزا الأبيلية، من اختاروه رأوا فيه  "هوية" الشعب الأسباني في القرن السابع عشر، أو ما تحتاجه هوية الشعب وقتئذ. (وفي كل الأحوال، من المتوقع أن يجري اختيار قديس محارب ليكون راعي الأمة - رغم اشارة بعض المصادر لأن شعبية القديسة كانت أقوى لدى الطبقات الدنيا من الشعب) حين كانت الأمة مهددة بأخطار عميقة - من كل جهة - والممالك الكاثوليكية تتهاوى حولها في القبضة البروتستانتية، بما أن الماتامورو سفاح للعرب فقد جعله هذا الراعي الأقوى لحروب الاسترداد. وحامي الكاثوليكية من كل الشرار.

في الواقع، تكاد تكون تلك الشخصية المسماة بالماتامورو خيالية بالكامل، ونقول تكاد لأن جزءاً منها يحمل بعض الصحة التاريخية، القديس سانتياغو الماتاموروس أو القديس جيمس سفاح العرب. تفترض الحكاية أن ذاك هو نفسه يعقوب بن زبدي أحد حواريي المسيح. الأساطير حوله تشير إلى ظهوره بصورة "سانتياغو الماتاموروس" وليس يعقوب الزبيدي، فقد ظهر كقديس محارب يعين المسيحيين على هزيمة المسلمين في معركة كلابيخو، هذه المعركة هي كذلك خيالية بالكامل، ولعل كونها خيالية يخفف من وقع الحكاية التالية: فهذه العركة حصلت بين راميرو الأول ملك أستورياس المسيحي وبين المسلمين، الذين، بعد موت ألفونسو الثاني ملك أستورياس السابق، طالبوا وريثه بإتاوة الصبايا المائة، تصرح صفحة ويكي الخاصة بها أنه ليس ثمة أي "مصادر" تاريخية لهذا "الحوار"، ولكن، لا بأس: تلك الإتاوة كانت نتيجة اتفاقية قديمة بين مملكة أستورياس والإمارة الجارة "امارة قرطبة"، والحكاية بصراحة، أنه في عام 783 ميلادية، أفلح الملك موريغاتوس الأستوري في الجلوس على عرش أستوريا بعون أمير قرطبة عبد الرحمن الأول - ذاك، هو عبد الرحمن بن معاوية، صقر قريش شخصياً- وثمنا لذاك فقد طلب عبد الرحمن من المسيحي موريغاتوس إتاوة سنوية من خمسين عذراء نبيلة وخمسين أخريات من العوام. وقد قُتل موريغاتوس في 788 ميلادية على يد نبيلين بسبب موافقته على الإتاوة، وقد أتى مليك اسمه ألفونسو الثاني، ذاك المسيحي التقي رفض الإتاوة كلياً - بعدما كان الملوك الذين سبقوه يتفاوضون لجعلها من الأموال- وبحسب وجهة النظر هذه، التي ترى أن معركة اللوتص قد قامت لأجل أن يحارب ألفونسو العرب ليرجئهم عن المطالبة بالإتاوة. والملك الذي تلاه، راميرو الأول، هزم العرب شر هزيمة في معركة الكلابيخو عام 842. (بمعاونة الماتامورو)، عبد الرحمن الثاني جبن من أن يطلب تلك الإتاوة مجددا.

من مدة كنت أشاهد فيلم "المستشار" وقد أتى فيه حوار عن العرب، في أجواء من عصابات المخدرات والسلاح، تقول شخصية خافيير باردم في الفيلم لشخصية مايكل فاسبندر أنه "لا يعمل بزنس أبداً مع العرب" - وقد أتى هذا التصريح بعدما كان يثرثر له ويذكر مثالا، لو ترك عربياً مع عشرة - أو نحوها - من المكسيكيين في حجرة وسأله، من تظنه سيبقى واقفاً؟ وقد رأى أن العربي سيبقى إلى النهاية. ولكن، سأله فسبندر، لماذا قد لا يعمل بزنس مع العرب، فأجابه "لأن العرب لا يريدون أموالك". وقد تذكرت هذا في معرض قراءتي لحكاية الإتاوة، خاصة حين حاول بعض من ملوك المسيحيين المساكين استئذان العرب أن يحولوا الإتاوة لمبلغ مالي. أذكر أنه ساعة مشاهدتي للفيلم، بما أنني -بطبيعة الحال-لا أقيم وزناً للستريوتايب عن العرب - ولن أفهمه- وبخاصة أن هذا الحوار قد أتى تالياً لحوار بين المستشار (مايكل فسبندر) وجواهرجي يهودي ذكر بشكل عابر مسألة طرد اليهود من الأندلس/أسبانيا. والآن لعلي فهمت، اذن، العرب يطلبون منك حريمك؟

ثمة طرافات تاريخية عدة بخصوص حكاية الماتاموروس، ومنها العادة أن يقدم الحاكم الأسباني الأضاحي لتمثال القديس ماتاموروس في كاتدرائية سانتياغو بكومبوستيلا، وفي مرة، بعث فرانكو بجنرال مغربي نيابة عنه لتقديم الأضاحي للتمثال، وحينها، حسبما يقال، تم تغطية رؤوس الموور المقطوعة في ذاك التمثال.  ولا أدري ما الذي كان يفكر فيه فرانكو النبيه، ولكن ثمة مفارقة سخيفة في المسألة، إذ أن فرانكو قد استعان بالعرب المغاربة مثله مثل مواطنه الأقدم موريغاتوس الأول، لأجل أن يجلس على عرش أسباني.

ولكن، بما أن سانتياغو يستجيب للندهة لأجل شرف الرجال الأسبان والكرامة الوطنية المدنسة بعيث العرب فسادا في حرائر الأمة الأسبانية من النبيلات والعوام، فقد قلت أن المسألة - كالعادة -تتعلق بالحريم. فذاك القديس ليس بالشعبية التي نتصورها، أجل، تيريزا الأبيلية أكثر شعبية منه، ولكني أقصد كذلك الأعمال الفنية، إن موضوعه ليس من الموضوعات العظيمة في الفن الأسباني، وبحسب معارفي المتواضعة جدا - ولعلي مخطئا - فهو ليس حاضرا في اللوحات مثل قديسين آخرين، ربما ﻷن ظهوره - أو معجزته- قد جاءت متأخرة جدا في زمن يسهل فيه التمييز بين الهلاوس والضلالات والقول الحق، وحتى المعركة التي يقال أنه قد ظهر فيها، كانت خيالية بالكامل، لم تقع قط. لقد تضائل الحضور "الفني" والثقافي لسانتياغو لدرجة أنني لم أسمع به قط، ولم أعرفه من قبل، رغم اهتمامي بالموضوع الأندلسي والأسباني، إلا من رواية اللوح الأزرق لغيلبير سينويه. لقد مرت عيني على اسمه "سانتياغو" كثيراً، ولعدة أيام، دون أن ألحظ، حقا، ما "تقلّص" إليه القديس ماتاموروس، في لحظة من لحظات الضمير الشعبي النادرة، فذاك قديس "قاتل"، حتى لو كان قاتلا للأعداء، وحاميا للشرف الأسباني، حتى مار جرجس أشهر القديسين المحاربين، ليس قاتلا، بل شهيد وصاحب آلام عظيمة. إن الضمير الشعبي والعواطف تلك لا تتماهى حقا إلا مع الشهداء، بحسب رأيي.

ولأن تلك المسرحية عن موور، يستولي على امرأة مسيحية ليست " من حقه"، فقد ظهر سانتياغو في الحكاية، ليؤدي دور "استردادي" بلا شك. ومثل الريكونكويستا التاريخية، التي gone very wrong. وقلبت بمحاكم تفتيش، وتوليع وحرق. فهكذا كانت الريكونكويستا بمسرحية "عطيل" الموور، إن اسم الغريم وأساس الشر ومفرق الجماعات، والشيطان نفسه، بحسب ورق التاروت الشكسبيري، ياغو، قد يبدو مصادفة، ولكن بوجود موور في المسرحية فإن هذا كثير جداً. كي أسكت عليه وأدعه دون مبالغات تنظيرية. لقد تقلص الماتاموروس إلى شخصية شيطان حسود، فحسب. يكره الموور، ويستكثر عليه "فوزه" بهذه المرأة، فيقرر أن يخربها عليه. لقد جرده شكسبير حتى من دوره البطولي الوحيد، أي تفوقه في القتال، وفي المعركة، فإن ياغو لا يقتل، ولا يدخل في مبارزة "شريفة" مع غريمه، بل يتلوى ويلتف مثل الأفاعي. وهذا "آخره"، إنه ليس ماتاموروس بمعنى أنه لا يقتل الموور، بل إن الموور في المسرحية هو القاتل، قاتل نفسه وهو كذلك- كالعادة- من يضيع على نفسه "الفردوس". 

وفي علاقة الموور بسانتياغو، فذاك سانتياغو آخر يظهر في رواية "أحداث موت معلن" لماركيز، سانتياغو نصار عربي أصلاً، وقد يبدو غريبا تسميته باسم قديس ملقب بسفاح العرب، ولكني أظن أن هذا استعارة من دور الموور التاريخي كقاتل لنفسه، أعني عطيل نفسه الذي قتل نفسه ولم يقتله أحد، فعلياً. لقد تسبب سانتياغو نصار في مقتله، ليس ظلما وعدوانا، بل كذلك، بسبب الحريم، وتورطه معهن، وتعديه على شرف الأسبان، في رواية "أحداث موت معلن". أو بحسب المقولة التاريخية الخالدة، "إيه اللي وداه هناك".

Monday, December 23, 2013

مشاهد: جُرعة اليوم من العنف الأسري -١

 

 قراءة حُرّة في (الغيرة القاتلة)
 

ما ذكّرنا بالفيلم ليس كونه مُعالجة لمسرحية شكسبير “عطيل”، حيث أن كل المعالجات الشكسبيرية في السينما تثير اهتمامنا وجديرة بالتذكّر، بل أن هذا ما اكتشفناه حين بحثنا عنه، فقد كنا نبحث عن مشهد النهاية في الفيلم، يحيى الفخراني - ومما نذكره، كان شخصا مؤذيا شريراً - يمشي إلى حتفه مُنتحراً، في مشهد مزرق للبحر، وهدير الأمواج في الخلفية.








اذن، في هذه المعالجة ياغو من ينتحر، وليس عُطيل، ديدمونة لا تُقتل، قبل مشهد انتحار مُخلص/يحيى الفخراني/ياغو، أو سيره الغامض إلى أمواج البحر في زرقة الفجر، الذي اخترنا أن نأوّله انتحاراً، يحتضن عمر عطاالله/نور الشريف، عروسه دينا/ديدمونة/نورا، قائلاً: “أنا آسف، مش غلطتي، ولا غلطته، دي غلطة الزمن اللي احنا عايشين فيه."






١. وحش أخضر العينين



“حذار من الغيرة أيها السيد، إنها وحش أخضر العينين، يسخر من فرائسه.”

شكسبير- عُطيل



و حول اختيار يحيى الفخراني للدور، فهو ممثل ليس أيقونياً بالنسبة لأدوار الشرير، أو الوغد، أو الوضيع، أو المنحلّ، أو المؤذي، وثمة مشاهد في فيلمنا، خاصة تلك التي في آخر ربع ساعة من الفيلم، حين يطلب مُخلص/يحيى الفخراني من عمر/نور الشريف أن يمسك الكلب لأنه يريد أن يرحل، وقد كان يقولها بعبوس وتكشيرة طفولية. فكل الكلاب في الفيلم تنبح على مُخلص، وترغب في مهاجمته.

 



لم تك شخصية مُخلص مُغرقة في شر شيطاني ومرعب، ولم يكن له خواص خوارقية بشكل خاص، ما عدا الاشارة الميتافيزيقية الهزيلة لعصبية الكلاب في حضور مُخلص، مخلص ليس الشيطان وليس إبليس الذي يجسده ياغو في النص الأصلي أو في معظم معالجات المسرحية، كنوع من التنويع على أقدم قصة في الكتاب، أو عداوة إبليس لآدم وما ترتب عليها من خروجه من الجنة - موت ديدمونة على يد عُطيل. ثم انتحار عُطيل نفسه، ويمكن قراءة هذا في سياق التقليد الشكسبيري أو في سياق دمج لعدة سرديات كبرى عن أقدم معركة كونية، بين إبليس وآدم، أو بين سيت وأوزيريس، أو بين قابيل وهابيل.



ويمكن القول أن النص الأصلي يستند للضعف البشري، ولاستغلال إبليس/ياغو لهذا الضعف البشري، خطايا مميتة مختلفة، مثل الغيرة، والغضب. فالغضب هو الأكثر “وضاعة” من بين هذه الخطايا، نتيجة للطبيعة الحيوانية والمنحطة والخالية من العقل، التي للبشر. أنصاف القرود. في حين يحتفظ الشيطان لنفسه بخطيئة “مرموقة” مثل الكِبر.



إذن كان ياغو مُتكبراً في النص الأصلي، يستهجن كيف يحظى ذاك القرد الأسود - عطيل- بكل هذه النعم في حين لا يحظى هو بأي منها، وهكذا يمكر لتدمير حياة عُطيل، لا يبدو ياغو “طامعاً” فيما لدى عطيل، فقد ترك الطمع والشهوة وسائر تلك الخطايا الوضيعة للبشر، ياغو يتصرف مثل قوة ظلامية وكونية، شر لذاته، ودمار محض، لذاته، فالشر له طرقه الخبيثة والشريرة لأنه شرّ، ليس ثمة مُبرر.




٢.  الكلاب تنبح على مُخلص



في المعالجة المصرية “الغيرة القاتلة”، لا يبدو أن الغيرة خطيئة عطيل/عمر عطاالله في الفيلم، بل أن غيرته لا تشغل من الفيلم سوى آخر ربع ساعة، ليست الثيمة التي يعتمد عليها، كما اعتمد عليها النص الشكسبيري، لقد تمت ازاحة الغيرة لشخصية ياغو/مُخلص. لقد تم تخفيف الثقل الخوارقي والميثولوجي لطاقة ياغو/مُخلص التدميرية واستيعابها في قصة صداقة/أخوة بسيطة، مُخلص صديق طفولة عُمر، وعلاقتهما للأخوة أقرب، ولكن مُخلص يحقد على عُمر -غالباً لنجاحه- ويحكي الفيلم كيف وصل هذا الحقد لذروته، وهو حقد مُتراكم في روح مُخلص مذ الطفولة، وجاء لينفجر حين بدا له أن عمر سوف يحظى بكل ، شيء، الثروة، الزوجة الصالحة، والنجاح، وربما العيال. لأنه جريء، والحظ يُفضل الجريء، كما نعرف.



في حوار بين مُخلص وزوجته عصمت، تلومه عصمت على جبنه وحذره، وبسببه بقى مُخلص طوال حياته “محلّك سر”، غيرة مُخلص من عمر ليست واضحة بقدر وضوح دور مُخلص في الفيلم وفي حياة عُمر كطاقة سلبية، مخلص كتلة سلبية، كاره للتقدم، والتطور، ولا يريد أن ينجب من عصمت لأنه لن يتحمل نفقات الطفل، بالإضافة لكون مخلص وحش الغيرة أخضر العينين، فهو كذلك يتحقق فيه ستريوتايب الذكر الغريم الحقود والعقيم، طاقة ذكورية سلبية، ولكونها سلبية فهي عقيمة، وهي موجهة للتنغيص على حياة الذكر الايجابي والخصب. (وهذا الإسكتش مُستوحى من قصة سيت وأوزيريس).



في الوقت ذاته، مُخلص بشر عادي وخطّاء، في مسرحية شكسبير يتم الغاء خطأ ياغو، حين لا يعود ياغو بشراً يُحاسب على خطايا، الطبيعة البشرية لياغو تحل محلها طبيعة شيطانية تبلغ ذروتها بعد فعل التدمير الكامل، ومثل إبليس لا يعترف ولا يدرك ياغو أنه مُخطيء، لعل المعالجة المصرية التي جعلت من مخلص بشر خطّاء يُدرك ذلك في النهاية وربما، بتأثير العار أو الذنب، يذهب لحتفه، بشكل يناسب المشاهد العربي الذي - بحسب وجهة النظر الشائعة- لن يرغب في رؤية البطلين مقتولين، خاصة لو كانا نور الشريف ونورا

حسناً إذن، في المسرحية الأصلية كان واضحاً لي أن القصة الأهم هي قصة ديدمونة التي كانت ضحية لكل رجال النص، وأولهم والدها، الذي ساءه أن تهرب ديدمونة من قبضته الأبوية إلى رجل آخر رغماً عنه، وبتعبير أفضل، أن تختار ديدمونة طريقها وحياتها الخاصة. يقول الأب لعُطيل أنها سوف تفعل فيه ما فعلته في أبيها، وهكذا فإن بذرة الشر أو الشك أو الغيرة زُرعت في البدء من قبل الأب أو البطريارك الأول، لقد ورّثها للبطريارك الثاني، بشكل يحلو لنا أن نتخيله، مثل حجر الأساس للشخصية البطرياركية، في النص الأصلي يمكن للقارئ أن يُدرك الجريمة، بكامل أبعادها، إن شاء، تلك الجريمة التي وقعت على رأس امرأة بريئة، ديدمونة ضحية لكل الرجال في حياتها، وقد سقطت ضحية لآفة روحية تعشش في نفوسهم، وتنتقل كعدوى من الأب للزوج، وصحيح أن النهاية كانت مأساوية، لقد نمت الآفة حتى ارتوت من دماء ديدمونة، وهكذا كان مقتل ديدمونة كاشفاً أو فاضحاً لهذه العلة - علة رجال النص أو العلة البطرياركية. وإلى حد ما يدينها، لقد أتى إذن ياغو مثل إبليس يلعب على أوتار البطرياركية ونواقصها أو نقاط ضعفها الوحوشية. هكذا، وإن حدث هذا بوسائل عنيفة ومأساوية، تم دمج العنف الأسري مع الخطيئة، أو تحويله إلى خطيئة، معالجته كخطيئة، نظراً لآثاره.




٣. العنف الأسري مش خطيئة

 

وماذا حلّ للمعالجة المصرية؟ لقد انتهت مثل حادث عنف أسري - ولا يمكننا وصف شيء بهذه الفظاعة بالعادية - ولكن ليس ثمة ادانة في السرد، مشهد العنف الأفظع والأقبح في الفيلم كان ضرب واهانة عُمر/عطيل لدينا/ديدمونة/نورا. لقد كان مشهداً دنيوياً سوف يميل المُشاهد للتغاضي عنه- مشهد تأديب زوج لزوجته (عادي، وإيه يعني…) علقة زوجية، وبالطبع، هي مُبررة، ومتعاطف معها، مثل جرائم الشرف، في مسرحية عطيل، لم يك مقتل ديدمونة مجرد جريمة شرف، بل مأساة، يدرك فيها عطيل بغيه وظلمه وشرّه مع زوجته، ولكن بعد فوات الأوان، فينتحر، ينفذ العقاب على نفسه بنفسه. وحتى مشهد العنف الأسري/القتل، لم يك مثل حلم بشع ومؤلم - وضع عطيل قبضته الخشنة على رقبة ديدمونة وخنقها “برفق”، في حين انهال عمر/نور الشريف صفعاً وضرباً مهيناً على وجه وجسد نورا. كمحاولة لجعله مشهد أكثر دنيوية “وأسرية” وخشونة أو رجولة.

ونضع في الاعتبار أنه قد تم الغاء عنصر التوتر العرقي الذي كان حاضراً في النص الأصلي، وحل محلّه التوتر الطبقي، وعُطيل، ليس بهيمة شرقية أو حيوان مُثير قادم من البرية أو المجاهل الافريقية كما يحلو لبعض المعالجات الغربية تقديمه*، بل كان مهندساً متفوقاً على عتبة النجاح، ويتبع الفيلم حُجة ياغو في النص الأصلي، مثلما يتذمر ياغو من تجاهل عُطيل له، واختياره شخصاً آخراً كمساعد، يتذمر مُحسن من شراكة عمر لسمير، لكن، في أغلب الأحوال، شرّ ياغو، في الحقيقة، غير مُبرر**، ولا حتى بهذه التبريرات الدنيوية، ويستغل مُحسن "يباسة رأس" عمر كما قد استغلّها عُطيل، فعُمر يرفض رفضاً قاطعاً عرض دينا/ديدمونة مساعدته مادياً، وهو لا يريد أن يُفسّر زواجه بدينا كزواج مصلحة مالية، يرفض هذا رفضاً عصابياً أقرب إلى الهوس أو الحساسية المفرطة، ونستعين باقتباس من كتاب "تجارب شكسبيرية في عالمنا المعاصر" عن سيكولوجية عطيل، "فهو لم يحتمل ولم يستطع أن يغير من منهج تفكيره الجامد." هكذا يبدو لنا أن الصفة التراجيدية - في العرف الشكسبيرية- الحاضرة في كلا من النص، والفيلم، بشخصية عطيل/مُحسن، هي الاصرار، أو العناد، وليس الغيرة.

بعد مشهد التنوير، يُعلن عمر/عطيل/نور الشريف أنها مش غلطته، ولا غلطة مُخلص، بل غلطة الزمن - مُناقضاً للتقليد التراجيدي الشكسبيري، الذي يقع فيه البطل التراجيدي في مأساته الخاصة نتيجة للظروف من حوله، وكذلك لأفعاله-  وبعد ذلك يتأسّف لدينا، ثم يضمها لحضنه، وهي كذلك تبادله الودّ، العجيب أنه ليس ثمة أي عنف يُرتكب ضد مخلص، الشرير الأصلي، في النص الشكسبيري كان عطيل مشغولا بانزال العقاب على نفسه، بالانتحار، وقد تبدلت الأدوار في الفيلم المصري، فترك عمر مُخلص، كي يتصرف مخلص مع نفسه بما يجده مستحقاً، فانتحر الأخير، بالزوق ومن سُكات. وبالنسبة لفيلم مصري، فإن انتهاؤه إلى هذه النتيجة يُعتبر نوعاً ما “متطرف”، فموضوع الانتحار وإنهاء فيلم بانتحار شخصية قد يكون نادراً، وفي حالة مخلص، قد تكون النهاية الأقرب لجو وروح الأفلام المصرية أن يذهب للومان، أو أن يُقتل - لوهلة، في مشهد هجوم الكلب عليه، ظننا أن الكلب سوف يقتله، وقد يؤخذ هذا كتريبيوت لأحد كلاسيكيات السينما المصرية (الشموع السوداء) وغيرها. لكن هذه النهاية قد تُفسّر، بلا شك، كمسحة وتأثير مباشر من النص الشكسبيري الأصلي. حتى المشهد، الذي أوّلناه مثل انتحار، كان انتحاراً على استحياء، فقد رأينا مخلص يمشي إلى البحر، ويصل إلى طرف المياه، ثم أظلمت الشاشة فجأة على كلمة “النهاية”.






* أحمد سخسوخ - تجارب شكسبيرية في عالمنا المعاصر، سلسلة الفنون، مكتبة الأسرة، ٢٠١٠.
** المصدر السابق.

Monday, July 29, 2013

الفاشية المحضة، أو ١٤ طريقة للنظر إلى قميص أسود - أمبرتو إكو


 


[UR- FASCISM]
أو الفاشية المحضة*

 أمبرتو إكو


نُشرتْ  هذه المقالة لأول مرة بالانكليزية في 
بتاريخ ٢٢ يونيو، ١٩٩٥





عام 1942، كنت في العاشرة، أتسلّم جائزة "شبيبة لودي" الاقليمية الأولى  (مسابقة تطوعية - إلزامية لشبيبة إيطاليا من الفاشيين – أي الشباب الايطالي كله). انطلقتُ بطلاقة خطابية أتحدث حول مسألة "هل يتحتم علينا أن نموت جميعاً لأجل مجد موسوليني وخلود إيطاليا؟" وقد رددتُ على السؤال السابق بالايجاب، كنت  فتى ذكياً.
 

أمضيتُ إثنتين من سنواتي المبكرة بين إس.إس [S.S]، فاشيين، جمهوريين، ومقاومين غير نظاميين، يتبادلون إطلاق النار على بعضهم البعض، وعلّمني هذا أن أتفادى الرصاص، كان تدريباً جيداً.
 

في إبريل 1945، سيطر مقاتلو المقاومة على ميلانو، وبعد يومين وصلوا إلى البلدة الصغيرة حيث كنت أعيش، كانت لحظة نشوة، احتشد الناس في الميدان الرئيسي ينشدون ويلوحون بالأعلام، يهتفون لأجل "ميمو" قائد المقاومة في هذه المنطقة، في السابق كان يحمل رتبة مشير في الكارابينييري، ميمو انضم لمؤيدي الجنرال بادوليو، خَلَف موسوليني، وفقد ساقه في أولى الاشتباكات مع فلول موسوليني. ظهر لنا ميمو في شرفة مجلس المدينة، شاحبا يميل على عكاز، وبإحدى يديه حاول تهدئة الحشود، كنتُ أنتظر خطابه لأني طوال طفولتي عُجنت بخطابات موسوليني التاريخية، في المدرسة كنا نحفظ المقاطع المؤثرة منها عن ظهر قلب. صمت الجمهور، ليتحدث ميمو بصوت أجش، مسموع بالكاد، قائلاً: "أيها المواطنون! الأصحاب! بعد كل هذه التضحيات المريرة ، نحن هنا، المجد لهؤلاء الذين سقطوا من أجل الحرية!"، وكان هذا كل شيء. عاد ميمو للداخل. تصايحت الجموع، وأطلق  البارتيزان رصاصات احتفالية في الهواء، و هرعنا نحن الأطفال لنلتقط فوارغ الطلقات، غنائم ثمينة! لكنني تعلمتُ أيضاً أن حرية التعبير تعني الانعتاق من الخطابة.
 

بعد ذلك بأيام قليلة رأيت جنود أمريكان لأول مرة، كانوا أمريكان أفارقة. أول يانكي التقيته كان رجلًا أسود، جوزِف. وقد عرّفني على مغامرات دِك تريسي وليل آبِنر، كتب مصوّرة زاهية الألوان، زكية الرائحة.

أحد هؤلاء الضباط (النقيب أو الرائد "مَدِي") نزل ضيفاً في فيلا عائلة اثنتين من بناتها كانتا زميلتين لي في المدرسة. التقيته في حديقتهم، حيث أحاطت السيدات بالكابتن "مدي"، يتلعثمن بالفرنسية. الكابتن كان يعرف بعض الفرنسية كذلك، وهكذا تكوّن انطباعي الأول عن المحررين الأمريكان – بعدما اعتدت رؤية الكثير من الوجوه الشاحبة المتشحة بالقمصان السوداء: رجل أسود مثقف يرتدي زياً أصفر ويرطن: "وي! ميغسي بوكو! مدام!، موا أوسي جَم لو شامبنيْ..." للأسف، لم يك ثمة شمبانيا، لكن الكابتن "مَدِي" منحني أول قطعة تذوقتها من علكة ريغلي بنكهة النعناع  وقد أخذت أمضغ اليوم بطوله.  في الليل وضعتها في كوب ماء زجاجي كي تحتفظ بطراوتها لليوم التالي.
 

في مايو سمعنا أن الحرب قد انتهت. منحني السلام احساساً عجيباً. لقد لقنونني أن الحرب الدائمة حالة طبيعية ووضع أمثل لكل إيطالي شاب، في الأشهر التي تلت اكتشفتُ أن المقاومة لم تك ظاهرة محلية بل أوروبية. تعلمتُ كلمات جديدة مثيرة مثل: ريزو، ماكي، أرميه سُكريت، رُوت كابيلله، و غيتو وارسو. رأيت الصور الأولى للهولوكوست، هكذا فهمت معنى الكلمة قبل أن أعرفها. أدركت ماهية هذا الذي حررونا منه.
 

في بلدي اليوم، ثمة أناس يتسائلون إن كان للمقاومة أثراً عسكرياً على سير الحرب، بالنسبة لجيلي هذا السؤال لم يك مهماً: لقد فهمنا على الفور المعنى النفساني والأخلاقي للمقاومة، بالنسبة لنا كانت تعني الشرف، فنحن الأوروبيون لم نقعد مستسلمين ننتظر منقذنا. وبالنسبة للشباب الأمريكان الذين سالت دمائهم ثمناً لحريتنا المستردة، كان وجودنا كأوروبيين خلف خطوط النار نسدد ديوننا مقدماً، له معنى قوي.
 

اليوم في بلدي هنالك من يقولون أن خرافة المقاومة كانت كذبة شيوعية. صحيح أن الشيوعيين استغلوا المقاومة كأنها كانت ملكيتهم الخاصة. بسبب دورهم الرئيسي فيها. لكنني أذكر مقاتلي مقاومة بأوشحة من كل لون، أمضيتُ لياليّ ملتصقاً بالمذياع – والنوافذ مقفلة، والإظلام يجعل المساحة الصغيرة حول الجهاز مثل هالة مشعة – أستمع الى رسائل يذيعها "صوت لندن" موجهة للمقاومة. كانت مشفّرة و شاعرية في الآن ذاته (الشمس أيضاً تشرق، الورود سوف تتفتح) وأغلبها كانت "messaggi per la Franchi"  (رسائل للفرنك)، أحدهم همس لي أن فرانتشي كان قائدا لأكثر شبكات المقاومة قوة وسرية في جنوب غرب ايطاليا. رجل بشجاعة أسطورية. صار فرانتشي بطلي، فرانتشي (واسمه الحقيقي ادغاردو سونيو) كان ملكياً، ومتهّم بالتآمر وتدبير  انقلاب عسكري. من يهتم؟ سونيو ظل بطل طفولتي، والتحرير كان قضية مشتركة بين الناس على اختلاف مشاربهم. 
 

في بلدي اليوم هنالك من يقولون أن حرب التحرير كانت فترة انقسام مأساوية، وأن كل ما نحتاجه هو وفاق وطني. ذكرى تلكم السنوات الرهيبة يجب أن تُكبتْ، refoulée ،verdrängt لكن الكبت الفرويدي يسبب العصاب. ولو كان الوفاق يقصد به تعاطفا واحتراما لكل هؤلاء الذين خاضوا حربهم الخاصة مدفوعين بقناعاتهم، فإن التسامح لا يعني فقدان الذاكرة. يمكنني أن أجزم أن إيخمان قد آمن ايمانا صادقا بمهمته، لكنني لن أقول له أبدا: "حسنا، عُد وافعلها مجددا". نحن هنا لنتذكر ما حدث ولأجل أن نقول رسمياً  أننا لن نسمح لـ "هم"  أن يفعلوها مجدداً.
 

  • لكن من "هم"؟

حين ننظر للأنظمة الشمولية التي حكمت في أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية، يمكننا الجزم بصعوبة ظهور هذه الحكومات بالشكل نفسه لو اختلفت الظروف التاريخية. لو أن فاشية موسوليني كانت قائمة على فكرة وجود زعيم كاريزماتي، على هيمنة الشركات الرأسمالية، على يوتوبيا المصير الامبريالي لروما، والارادة الاستعمارية الشبقة لاجتياح أراض جديدة، والوطنية المتفاقمة، ونموذج لأمة محتشدة كلها بقمصان سوداء، ورفض الديموقراطية النيابية، ومعاداة السامية، اذن يمكنني القول أن، اليوم، حزب التحالف القومي الايطالي، الذي نشأ على أنقاض الحزب الفاشي لفترة ما بعد الحرب، الحركة الايطالية الاشتراكية، وهو بلا شك حزب يميني، ليس له ، الآن، إلا القليل جداً من السمات  المشتركة مع الفاشية القديمة. في السياق نفسه، رغم قلقي الشديد من الحركات شبه النازية التي تظهر هنا وهناك في أوروبا وروسيا. لا أظن أن النازية، في شكلها الأصلي، سوف تنبعث مجددا كحركة وطنية.

لكن، برغم أن اسقاط الأنظمة السياسية صار ممكناً، وكذلك انتقاد الآيديولوجيات، خلف كل نظام وآيديولوجية هنالك دوماً طرق في التفكير والشعور، حزمة عادات ثقافية، وغرائز دفينة ونزعات لا يمكن سبر أغوارها. هل ثمة شبح لا يزال متربصاً بأوروبا (دعك من بقية أنحاء العالم) ؟


 يونسكو قال مرة أن "الكلمات فقط هي المهمة وما دونها مجرد ثرثرة". العادات اللغوية عَرَض مهم ودال على المشاعر الباطنية. لذا من الضروري أن نسأل أنفسنا، لم ليست المقاومة فقط بل الحرب العالمية الثانية كلها يُنظر إليها عموماً كصراع ضد الفاشية. إذا أعدت قراءة رواية هيمنغواي "لمن تُقرع الأجراس" سوف تكتشف أن روبرت جوردان يصف أعدائه كلهم بالفاشيين، ويمتد هذا حتى للفلانخي الإسبانية،  وبالنسبة لتيودر روزفلت، "انتصار الشعب الأمريكي وحلفائه سوف يكون هزيمة للفاشية و الذراع الميت للطغيان الذي تمثله."



أثناء الحرب العالمية الثانية، كان يُطلق على الأمريكان الذين شاركوا في الحرب الاسبانية "مقاومو الفاشية غير الناضجين"، هذا يعني أن محاربة هتلر في الأربعينيات كانت واجبا أخلاقيا على كل أمريكي صالح، لكن محاربة فرانكو في الثلاثينيات كانت "مبكرة جداً"، وتنزّ برائحة مريبة لأن أغلبية من شارك فيها شيوعيون ويساريون آخرون. . . لماذا اذن استخدم الثوريون الأمريكان - بعد تلك الحرب بثلاثين عام- تعبير مثل "خنزير فاشي"  لوصف أي شرطي لا تعجبه عاداتهم في التدخين؟ لماذا لا يقولون: خنزير كاغولاري، خنزير فلانخي، خنزير أوستاشي، خنزير كزلينغي، أو خنزير نازي؟


كتاب كفاحي يعدّ مانفستو لبرنامج سياسي متكامل. النازية لديها نظرية في العرق وفي تفوق الشعب الآري، ومفهوم محدد للفنون المنحطة، وفلسفة في ارادة القوة، والسوبر مان. النازية معادية للمسيحية  وأقرب للوثنية الجديدة، في حين كانت النسخة الرسمية للماركسية السوفيتية الخاصة بستالين، الديامات، أو الديالكتية المادية، إلحادية بالكامل. إن كان المقصود بالشمولية نظاماً توجّه فيه الدولة وآيديولوجيتها كل أفعال الفرد، فإن  النازية والستالينية كانتا نظماً شمولية أصيلة.


 الفاشية الايطالية دكتاتورية بلا شك، لكنها لم تك شمولية بالكامل، ليس بسبب اعتدالها ولكن لضعفها الآيديولوجي و الفلسفي. بعكس الرأي الشائع، الفاشية في إيطاليا لم تملك فلسفة خاصة بها. المقالة في الفاشية التي تحمل توقيع موسوليني والموجودة في تريتشاني إنسايكلوبديا كتبها جيوفاني جِنتيل أو كانت مستوحاة من أفكاره، وهي بدورها انعكاس للمفهوم الهيغلي المتأخر عن الدولة الأخلاقية المطلقة. والتي لم يفلح موسوليني قط في تطبيقها. موسوليني لم يملك أية فلسفة: امتلك بلاغة فحسب. كان عسكريا ملحدا في بداياته وبعد ذلك وقّع ميثاقا مع الكنيسة ورحّب بالأساقفة الذي باركوا شعارات الفاشية. في سنواته المبكرة المعادية للكهنوت، وفقا لخرافة على الأغلب، سأل الرب مرة أن يوجه إليه ضربة فيعرف أنه موجود، فيما بعد، صار موسوليني يذكر اسم الرب في خطاباته دوماً، ولم يمانع أن يُطلق عليه "رجل العناية الإلهية". 

الفاشية الايطالية كانت أول ديكتاتورية يمينية تستولي على السلطة في دولة أوروبية، كل الحركات المشابهة فيما بعد اعتبرت نظام موسوليني نموذجا لها. الفاشية الايطالية كانت أول من أسس طقوسا عسكرية مقدسة، وفلكلور، ونمط لباس، أكثر تأثيراً بقمصانها السوداء من آرماني وبينيتون وفرساس. فقط في الثلاثينيات بدأت الحركات الفاشية في الظهور، موزلي في انكلترا، ولاتفيا، وإستونيا وليتوانيا وبولندة والمجر ورومانيا وبلغاريا واليونان ويوغوسلافيا وأسبانيا والبرتغال والنرويج وحتى في أمريكا اللاتينية. بفضل الفاشية الايطالية اقتنع كثير من الليبراليين الأوروبيين أن النظام الجديد يحمل اصلاحا اجتماعيا مثيرا للاهتمام، ويوفر بديلاً ثورياً براغماتيا و"معتدلاً" يطمس التهديد الشيوعي.

رغم ذلك، فإن الأولوية التاريخية ليست كافية لتفسير لم صارت كلمة "فاشية" مجازاً لوصف كافة الحركات الشمولية. وليس هذا لأنه، من الناحية الجوهرية، الفاشية احتوت على كل المكونات التي ميزت أي شكل تلاها من الشمولية. على النقيض، لم تحتو الفاشية على أي جوهر. الفاشية كانت شمولية ضبابية، قص ولصق لأفكار فلسفية وسياسية مختلفة، خلية من التناقضات. هل يمكن تخيل حركة شمولية حقيقية قادرة على الدمج بين الملكية والثورية، الجيش الملكي وميليشيات موسوليني الخاصة، الامتيازات الممنوحة للكنيسة مع التعليم الحكومي المحرض على العنف، والسلطة الشاملة للدولة، مع سوق حر؟ الحزب الفاشي كان يتبجح بالنظام الثوري الجديد الذي جلبه، لكنه كان مدعوماً من ملاك الأراضي الأكثر محافظة، الذين انتظروا منه ثورة مضادة.

في بداياتها كانت الفاشية جمهورية. لكنها ظلّت عشرين سنة تؤكد على ولائها للعائلة المالكة، كان الدوتشي (الزعيم المفدّى) يمشي متأبطا ذراع الملك،  يعرض عليه لقب امبراطور. لكن حينما طرد الملك موسوليني في ١٩٤٣، عاود الحزب الظهور بعد شهرين، بدعم ألماني، تحت راية الجمهورية الاشتراكية، يعيد تدوير نصوصه الثورية القديمة، تثريه نبرات يعقوبية.

ثمة معمار نازي وحيد، وفن نازي وحيد. لو أن المهندس النازي كان آلبرت سبير، فإنه ليس ثمة مكان لمايز فان دير روهه. وبالمثل، أثناء حكم ستالين، لو أن لامارك كان موجودا فليس ثمة مكان لدارون. في ايطاليا كان هنالك بالتأكيد مهندسين فاشيين ولكن بجانب نماذجهم المزيفة للكولوسيوم قامت مبان جديدة متأثرة بالعقلانية الحداثية لغروبيوس.

لم يكن هنالك جدانوف فاشياً يخط حدّاً ثقافياً صارماً. في ايطاليا هناك جائزتين فنيتين مهمتين، البريميو كريمونا كان يتحكم بها فاشي متعصب وجاهل، هو روبرتو فاريناتشي، والذي شجع الفن فقط كوسيلة للبروباغندا. (يمكنني أن أتذكر لوحات بعناوين مثل "الاستماع إلى خطاب الدوتشي" أو "حالات مزاجية فاشية".) والبريميو بيرغامو كان يرعاها فاشياً أكثر تسامحاً وثقافة وعقلانية هو غيوزيبّي بوطاي، والذي حمى مفهوم الفن لأجل الفن وأنماط أخرى من الآفان-غارد، كانت قد حُظرت في ألمانيا لـ"انحطاطها" ومضامينها الشيوعية.

الشاعر القومي كان دانّوتزيو، غندور لو تواجد في ألمانيا أو روسيا لأرسلوه إلى كتيبة الاعدام. عُيّن كشاعر للنظام بسبب وطنيته وعقيدته البطولية. والتي خالطتها الكثير من الشوائب الفرنسية المتأثرة بمشاعر تداعي "نهاية القرن". 


خذ المستقبلية مثالاً. قد يظن المرء أنها تعتبر نمطاً من الفن المنحطّ، جنباً إلى جنب مع التعبيرية، والتكعيبية، والسوريالية. لكن المستقبليين الإيطاليين الأوائل كانوا قوميون. لقد شجّعوا مشاركة ايطاليا في الحرب العالمية الأولى لأسباب جمالية، كانوا متحمسون للسرعة، العنف والخطر، وكل هذه المشاعر كانت وثيقة الصلة بالعقيدة الفاشية الشبابية. بينما تماهت الفاشية مع الامبراطورية الرومانية وأعادت اكتشاف عادات ريفية، مارينيتّي (الذي اعتبر السيارة أكثر جمالاً من  منحوتة "نصر ساموتريسي"، حتى أنه أراد أن يقتل ضوء قمر) قد عُين برغم ذلك عضواً في الآكاديميا الايطالية، والتي بالطبع عاملت ضوء القمر باكبار شديد.


كثير من محاربي المقاومة ومثقفي الحزب الشيوعي قد تتلمذوا ضمن اتحاد الطلبة الجامعيين الفاشيين، والمفترض أنه كان مهداً للثقافة الفاشية الجديدة. هذه النوادي صارت ضرباً من البوتقة الثقافية حيث تم تدوير أفكار جديدة دون أي سيطرة آيديولوجية فعلية. وليس هذا لأن رجال الحزب كانوا  متسامحون أو ذوو فكر ثوري، ولكن قلة منهم كانت لديها القدرة أو الاستعداد الثقافي لفرض السيطرة.

في العشرين عاماً تلك، صار شعر مونتالي وكتّاب آخرين لهم علاقة بالمجموعة المسماة "إرميتيتشي" رد فعل على الطابع الطنان للنظام، وهؤلاء الشعراء كان مسموحاً لهم بنمط من المقاومة الأدبية طالما ظلّوا سجناء  "برجهم العاجي". كان مزاج شعراء إرميتيتشي نقيضاً للعقيدة الفاشية المفعمة بالبطولة والتفاؤل. تسامح النظام مع معارضتهم الفاضحة، رغم كونها غير مسموعة اجتماعياً، وذلك لأن الفاشيين ببساطة لا يهتمون بهذه الرطانة الغامضة. 

وهذا كله لا يعني أن الفاشية الايطالية كانت متساهلة. لقد ظل غرامتشي سجيناً حتى موته، قادة المعارضة جياكومو ماتيوتي والأخوة روزيليني  تم اغتيالهم، الصحافة الحرة ألغيت، فُككت الاتحادات العمالية، وتم نفي المقاومين السياسيين لجزر معزولة. أمست القوة التشريعية مجرد خيال، والقوة التنفيذية (التي تحكمت في القضاء والاعلام) أصدرت مباشرة القوانين، ومن ضمنها قوانين دعت لحماية العرق، (لفتة الدعم الايطالية الرسمية للهولوكوست).

الصورة المتناقضة التي أصفها لم تك بسبب التسامح ولكن نتيجة للا-تمازج السياسي والآيديولوجي. كان  لا-تمازج صارماً، ارتباك منظّم. الفاشية كانت  فلسفياً غير متناسقة، لكنها من النواحي العاطفية مربوطة بحزم إلى أسس طرازية متشددة.


وهكذا نأتي للمرحلة الثانية من هذا الجدل، كان ثمة نازية واحدة فقط. لا يمكننا أن نصف فلانخية فرانكو المفرطة في كاثوليكيتها بالنازية، بما أن النازية وثنية بالأساس، معادية للمسيحية. ولكن اللعبة الفاشية يمكن أن تمارس بأشكال عدة، واسم اللعبة لا يتغير. مفهوم الفاشية لا يختلف كثيراً عن مفهوم فيتغنشتاين للعبة. اللعبة إما أن تكون تنافسية أو لا تكون، قد تتطلب مهارات خاصة أو لا تتطلب، يمكنها أن تتضمن مالاً أو غير ذلك. الألعاب أنشطة مختلفة تُظهر بعض الشبه  بالأسرة، كما يصف فيتغنشتاين. إليك التسلسل الآتي:


١          ٢          ٣           ٤
أ ب ت    ب ت ث    ت ث ج     ث ج ح


لنفترض أنه ثمة سلسلة من الجماعات السياسية والأولى منها تتميز بالصفات (أ ب ت)، والجماعة الثانية بالصفات ( ب ت ث)، الخ. الجماعة الثانية مشابهة للأولى بما أن لديهما صفتان مشتركتان، لنفس الأسباب الجماعة الثالثة تتشابه مع الثانية والرابعة تتشابه مع الثالثة. لاحظ أن الثالثة تشبه الأولى كذلك ( لديهم الصفة ث مشتركة بينهما). الحالة الأكثر عجباً تلك المتمثلة في الجماعة الرابعة، من الواضح أنها شبيهة باثنين وثلاثة، دون أية صفة مشتركة مع الأولى. ولكن، وفقاً للتناقص المتدرّج للتماثلات من الأولى حتى الرابعة، يظل هنالك شبهاً أو صلة عائلية بين الرابعة والأولى.

الفاشية صارت مصطلحاً لجميع الأغراض لأنه من الممكن نزع سمة أو أكثر من النظام الفاشي، دون أن يفقد صفته الفاشية. خذ الامبريالية من الفاشية وسوف يظل لديك فرانكو وسالازار. خذ الكولونيالية  وسيبقى لديك الفاشية البلقانية للأوستاشيين. أضف للفاشية الايطالية معاداة جذرية للرأسمالية (تلك التي لم ترق كثيرا لموسوليني) وستحصل على إزرا باوند. أضف عقيدة ميثولوجية كلتية ودروشة حول الكأس المقدسة (وهذه صفات غريبة تماماً عن الفاشية الرسمية) وستجد لديك أكثر غوروهات الفاشية احتراماً، يوليوس إفولا. 

ورغم كل هذا التشوش، أعتقد أنه من الممكن رصد قائمة من الصفات النموذجية لما أحب أن أسميه "الفاشية المحضة"* أو "الفاشية الأبدية". هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع في نظام واحد، كثير منها يناقض بعضه، وكثير منها يميز ضروب أخرى من الطغيان أو التعصّب. ولكن يكفي أن يتواجد أي منها ليسمح للفاشية بأن تتجلّط حوله.

١. أول سمة للفاشية المحضة هي عبادة التقاليد. التقليدية/الأصالة بالطبع أقدم كثيرا من الفاشية. لم تك فحسب عنصرا مميزا لفكر الثورة المضادة الكاثوليكية التي أعقبت الثورة الفرنسية، بل قبل ذلك بكثير، التقليدية نشأت في الحقبة الهيللينية المتأخرة، كرد فعل رجعي على العقلانية الاغريقية الكلاسيكية. في حوض البحر المتوسط، أناس من أديان مختلفة ( أكثرهم كان البانثيون الروماني متسامحاً معه) أخذوا يحلمون بوحي كان قد نزل في فجر التاريخ الإنساني. هذا الوحي، وفقاً للتصوف التقليدي، قد ظل لزمان طويل مخفياً وراء حجاب اللغات المنسية- في الهيروغليفيات المصرية، وفي الرون الكلتي، وفي مخطوطات أديان آسيوية مجهولة.

هذه الثقافة الجديدة يجب أن تكون توفيقية، التوفيقية لا تعني فحسب، كما يقول القاموس، "دمج أشكال مختلفة من الممارسات والعقائد"، هذا الدمج لابد وأن يتساهل مع التناقضات. كل من الرسالات الأصلية تحتوي على قبس من الحكمة، وكلما بدت واحدة منها متناقضة أو توحي بأشياء غير متكافئة، فذاك لأنها كلها تشير مجازياً لنفس الحقيقة الأوليّة.

ونتيجة لهذا يتعرقل التقدم العلمي.  فالحقيقة قد نُطق بها بالفعل، من قبل، وليس ثمة جديد، وكل ما يمكننا فعله هو تفسير رسائلها المبهمة.

يمكن للمرء أن يتأمل مناهج كل حركة فاشية وسوف يجد مفكرين تقليديين عظام. الغنوصية النازية تم تغذيتها بعناصر تقليدية، توفيقية وسرّانية. المصادر النظرية الأكثر تأثيراً لسرديات اليمين الايطالي الجديد، يوليوس إفولا، مزجت الكأس المقدسة مع "بروتوكولات حكماء صهيون"، الخيمياء مع الامبراطورية الرومانية والجرمانية المقدسة. والدليل الدامغ على الطبيعة التوفيقية لليمين الايطالي الجديد هو "تفتحه الذهني" واستيعابه في المنهج نفسه أعمال  دي ميستر، غينون، وغرامتشي.

إذا بحثت في أرفف المكتبات الأمريكية المعنونة بـ"العصر الجديد"، سوف تجد سان أغسطين، والذي لم يك، على حد علمي، فاشياً. لكن الدمج بين سان أغسطين وستونهنِج - هذا يعتبر عرضاً من أعراض الفاشية المحضة.




٢. التقليدية تعني رفضاً للحداثة. الفاشيون والنازيون على حد سواء يعبدون التقنية، في حين يرفضها المفكرون التقليديون لأنها انحراف عن القيم الروحانية التقليدية. لكن، رغم فخر النازية بمنجزاتها الصناعية، تمجيدها للحداثة كان القشرة السطحية لآيديولوجية قائمة على الدم والأرض (Blut und Boden). رفض العالم الحديث جاء متنكراً  في شكل استنكار لأسلوب الحياة الرأسمالي، الذي هو  بالأساس رفض لروح عام ١٧٨٩ ( وكذلك ١٧٧٦، بالطبع). أي رفض التنوير، فعصر العقل، ينظر إليه كبداية للفسوق الحداثي. وهكذا يمكننا تعريف "الفاشية الأزلية" بأنها لاعقلانية. 



٣. اللاعقلانية أيضا تعتمد على عقيدة "الفعل لأجل الفعل". الفعل بوصفه جميلاً في ذاته، يجب أن يُتّخذ قبل -أو دون -أي تفكير مسبق. التفكير يعتبر نوعا من الاخصاء. هكذا فإن الثقافة مصدر ريبة لارتباطها بالمواقف النقدية. عدم الثقة في عالم المثقفين سمة دائمة للفاشية المحضة، مذ تصريح غورينغ الشهير "حين أسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي"، إلى الاستخدام المتكرر لتعبيرات من قبيل "مثقفون منحطّون" "شمّامين كُلّة"، "مخنثون  متكبرون" و"الجامعات معقل الحُمر". مثقفو الفاشية الرسميون كانوا مكلّفين فقط بالهجوم على الثقافة الحديثة والإنتليجينسيا الليبرالية لأنها خانت العادات والتقاليد. 



٤. لا يمكن للعقائد التوفيقية أن تصمد أمام النقد التحليلي. الروح النقدية يمكنها التفريق بين هذا وذاك، وهذا علامة على الحداثة. في الثقافة الحديثة المجتمعات العلمية تشجع الخلاف كوسيلة للتقدم المعرفي. بالنسبة للفاشية المحضة، الاختلاف في الرأي يعتبر خيانة.



٥. كما أن الاختلاف في الرأي دلالة على التنوع. الفاشية المحضة تقوم على الاجماع، وتستقوى باستغلال الخوف الطبيعي من المختلفين. كل الحركات الفاشية تستمد جاذبيتها من التحريض ضد الدخلاء والغرباء والآخر والأجنبي. الفاشية المحضة عنصرية.



٦. الفاشية المحضة تنشأ من الاحباط الفردي أو الاجتماعي. لهذا أحد أهم مميزات الفاشية التاريخية جاذبيتها للطبقة الوسطى المحبطة، طبقة تعاني من أزمة اقتصادية أو احساس بالاهانة السياسية، ومذعورة من ضغط الطبقات الأدنى منها. في عصرنا، حينما يصبح البروليتاريون القدماء برجوازيين صغار (والمهمشون يجري استبعادهم من المشهد السياسي) فإن فاشية الغد سوف تجد جمهورها بين تلك الأغلبية الجديدة.



٧. الفاشية المحضة تقدّم حلاً لأولئك الذين يشعرون أنهم بلا هوية اجتماعية واضحة، والهوية التي تقدمها لهم الفاشية هي الأكثر شيوعاً: كونهم وُلدوا في البلد ذاته. وذاك هو أصل القومية. إلى جانب أن الأعداء وحدهم من يمكنهم تشكيل هوية للأمّة. لذلك، الهوس بالمؤامرة يعدّ من جذور الفاشية المحضة، غالباً ما تكون مؤامرة عالمية. أتباعها يجب أن يشعروا بالحصار. والطريقة الأسهل لحلّ معضلة المؤامرة الكونية هو تشجيع الزينوفوبيا [كراهية الأجانب]، ولكن المؤامرة يجب أن تنبع من الداخل كذلك: اليهود عادة ما يكونوا هدفاً أمثل للزينوفوبيا لتمتعهم بمزية التواجد في الداخل والخارج في الوقت ذاته. المثال الأبرز في الولايات المتحدة الأمريكية للهوس بنظرية المؤامرة يتمثل في كتاب بات روبرتسون "النظام العالمي الجديد".



٨. أتباع الفاشية يجب أن يشعروا بالاهانة من مظاهر الثروة والقوة لأعدائهم. حين كنت صبياً، علّموني أن أتخيل الانكليز كأناس يأكلون خمس وجبات في اليوم. إنهم يأكلون أكثر من الطليان الفقراء والمعتدلين. اليهود أثرياء ويعاونون بعضهم من خلال شبكة سرية من الدعم المتبادل. ولكن الأتباع يجب أن يقتنعوا أنهم قادرين على هزيمة الأعداء، وذلك بتغيير ركائز الخطاب الفاشي باستمرار، الأعداء أقوياء جداً وضعفاء جداً في الوقت ذات. الحكومات الفاشية تخسر الحروب دوماً لأنها عاجزة عن تقدير قوة العدو بموضوعية.



٩. وفقاً للفاشية المحضة، ليس ثمة صراع للبقاء بل أن الحياة نفسها تعاش لأجل الصراع. هكذا فإن المبادئ السلمية تعني الخيانة. وهي مرفوضة لأن الحياة عبارة عن حالة حرب مستمرة. ولكن هذا يؤدي إلى عقدة هرماجدّون، فالأعداء يجب أن يهزموا، وعليه لابد من وجود معركة نهائية كبرى، بعدها تتمكن الحركة الفاشية من السيطرة على العالم. وهذا الحل بعيد الأمد يعني مجيء حقبة سلام و عصر ذهبي، وذلك يتناقض مع مبدأ الحرب الدائمة. لم يفلح أي قائد فاشي في حل هذه المعضلة حتى الآن.


١٠. النخبوية سمة نموذجية لأي آيديولوجية رجعية، هي في أصلها أرستوقراطية، والأرستقراطية والنخبوية العسكرية تفرخ احتقاراً قاسياً لمظاهر الفقر،  الضعف  والضعفاء. الفاشية المحضة تتبنّى فقط النخبوية الشعبية. كل مواطن ينتمي إلى أعظم شعب في العالم، أعضاء الحزب هم الأفضل بين المواطنين، كل مواطن يتحتم عليه أن يكون عضوا في الحزب. و حيث تجد نبلاء فلابد من وجود عوام. ولأن الزعيم يعرف أن سلطته لم تُفوّض إليه ديموقراطياً، بل أخذها غصباً، يعلم كذلك أن قوته مستمدة من ضعف الجماهير، بسبب ضعفهم يحتاجون ويستحقون قائداً. ولأن الجماعة منظمة هرمياً (طبقاً للنموذج العسكري)، كل قائد يحتقر من هم تحته، وكل منهم يحتقر بدوره من هم دونه. وهذا يؤجج حس النخبوية الجماهيرية. 

١١. كلٌ يتعلم لأجل أن يصبح بطلاً. في كل الميثولوجيات البطل كائن استثنائي، لكن وفقاً للفاشية المحضة، البطولة هي القاعدة. وعبادة البطولة مرتبطة بشدة بعبادة الموت. وليس من قبيل المصادفة أن يكون شعار الفلانخي الأسبان "Viva la Muerte/يحيى الموت!". في المجتمعات غير الفاشية  يقال للناس أن الموت سيء لكن يجب مواجهته بكرامة، يقال للمؤمنين أنه الطريق المؤلم للوصول إلى سعادة سماوية.  على النقيض، أبطال الفاشية المحضة يشتهون الموت البطولي، فهو المكافأة الأسمى لحياة بطولية. بطل الفاشية المحضة يرغب في الموت بنفاذ صبر. وهذا الجزع  يتسبب في موت غيره. 

١٢.الحرب والبطولة ألعاب صعبة، لهذا تحاول الفاشية المحضة أن تغير اتجاه ارادة القوة الكامنة في بلاغيات السلاح والحرب بحيث يمكن تفريغها جنسياً. وهذا هو أصل الماتشيزمو  (الذكوري المحتقر للنساء ولكل أنماط السلوك الجنسي المخالف لما يعتبره تقليديا/طبيعياً، من أول الترهبن وحتى المثلية). ولأن الجنس كذلك لعبة صعبة، تميل الفاشية المحضة للاستعاضة عنه باللعب بالأسلحة - الحل الأخير لهذه الشحنات العدوانية يكمن في تحويلها إلى ممارسة قضيبية اصطناعية. 


١٣. تقوم الفاشية المحضة على الشعوبية الانتقائية: شعوبية نوعية، لنقل، في الديموقراطيات، المواطنون يملكون حقوقا فردية، وهم  يصنعون تأثيراً سياسياً عاماً من ناحية كيفية فحسب- حين تُتبّع قرارات الأغلبية. وفي حالة الفاشية المحضة، ليس للأفراد حقوق كأفراد، والشعب يُعتبر صفة أو مفهوم ميتافيزيقي، كيان متآلف يجسّد "الارادة العامة" أو الارادة الجمعية أو الارادة القومية. ولأن امتلاك هذا الكم كله من البشر لارادة واحدة جامعة أمر مناف للمنطق، يدّعي الزعيم أنه وحده القادر على تفسير هذه الارادة الشعوبية. والمواطنون قد فقدوا قدرتهم على التفويض،  فلا يعود بمقدورهم الاتيان بأي فعل، بل يتم استدعائم فحسب للعب دور "الشعب". هكذا يصبح "الشعب" مجرد خيال مسرحي،  ولضرب مثل على الشعوبية النوعية، لسنا بحاجة للحديث عن البياتزا فينيتزيا في روما أو مدرّج نورمبرغ. هنالك التلفاز والشعوبية الانترنتية، حين يصبح رد فعل عاطفي لجماعة من المواطنين هو الممثل  والمعبر عن"صوت الشعب"، أو ارادته.

لهذا تعادي الفاشية المحضة الشكل البرلماني "المتعفن" للحكومة. كانت أول الجمل التي ينطق بها موسوليني في البرلمان الايطالي: "قد كان بمقدروي أن أحوّل هذا المكان الكئيب والأصم إلى ثكنة عسكرية". وعلى أية حال فقد وجد مكاناً أفضل لعساكره، ولكنه فيما بعد حلّ البرلمان. كلما أثار سياسي الشكوك حول السلطة التشريعية أو البرلمان بحجة أنه لم يعد يمثّل "صوت الشعب"، يمكننا أن نشمّ رائحة فاشية أبدية.

١٤. الفاشية المحضة تتحدث النيوزبيك [Newspeak].  المصطلح اخترعه أورويل في روايته ١٩٨٤ ويقصد به اللغة الرسمية للإنغسوك، الاشتراكية الانكليزية أو الحزب الفاشي الحاكم في عالم الرواية. عناصر الفاشية المحضة مألوفة وظاهرة في أشكال كثيرة من الديكتاتوريات. كل الكتب المدرسية النازية والفاشية استخدمت مفردات لغوية فقيرة، لتقيد أدوات التفكير النقدي الحر والمعقد. ولهذا يجب أن نتربّص لأنماط أخرى متنوعة ومختلفة للنيوزبيك، أحياناً تتّخذ الشكل البريء للبرامج الحوارية الشعبية.


في صباح السابع والعشرين من يوليو، ١٩٤٣، أخبروني أن، بحسب تقارير الراديو، الفاشية انهارت وأُلقي القبض على موسوليني. حين أرسلتني أمي لأبتاع الصحيفة، رأيت جرائد بعناوين متباينة. وبعد قراءتها، أدركت أن كل صحيفة تقول شيئا مختلفا. ابتعت واحدة منهن دون نظر، وقرأت رسالة في الصفحة الأولى وقّعها خمسة أو ستّة من الأحزاب السياسية، بينهم كان الديموكراتزيا كريستيانا، الحزب الشيوعي، الحزب الاشتراكي، والبارتيتو داتزيوني، والحزب الليبرالي. حتى ذلك الحين، كنت أعتقد أنه ثمة حزب واحد فقط في كل بلد، وذاك الذي في ايطاليا كان البارتيتو ناتزيونالي فاشيستا. والان أكتشف أنه في بلدي ثمة أحزاب أخرى يمكن أن تتواجد معا في نفس الوقت. ولأنني كنت صبيا ذكيا، أدركت في الحال أنه لا يعقل أن تنشأ كل هذه الأحزاب بين ليلة وضحاها، لابد وأنهم قد تواجدوا لفترة طويلة كتنظيمات سرية.

الرسالة في المقدمة احتفت بسقوط الديكتاتورية وعودة الحرية، حرية التعبير، حرية الصحافة، والممارسة السياسية. هاته الكلمات، "حرية"، "ديكتاتورية"، "استقلال"- الآن أقرأهم للمرة الأولى في حياتي. وساعتها وُلدت من جديد كرجل غربي حرّ بفضل هذه الكلمات. 

يجب أن ننتبه كيلا ننسى معاني هذه الكلمات مجدداً. الفاشية الأبدية لا تزال حولنا، أحياناً في ملابس مدنية. سيكون من السهل جداً علينا، إن ظهر شخصاً في المشهد العالمي يقول: "أريد أن أعاود فتح أوشفيتز، أريد أن أرى مواكب القمصان السود في ميادين ايطاليا مجدداً." الحياة ليست بهذه البساطة. الفاشية المحضة قد تعود متنكرة في أكثر الأردية براءة. مهمّتنا أن نكشفها ونصوّب أصابعنا على أي من تمثّلاتها الجديدة - كل يوم، في كل مكان من العالم. 

كلمات فرانكلن روزفلت في الرابع من نوفمبر ١٩٣٨، تستحق التذكّر: 

"إن توقفت الديموقراطية الأمريكية عن الحراك قدماً كقوّة حيوية، تسعى كل يوم وليلة بطرق سلمية لأجل تحسين حياة مواطنينا، سوف تطرح الفاشية في أراضينا."

الحرية والتحرر مهمة لا تنتهي. دعوني أختم كلامي بقصيدة لفرانكو فورتيني: 

على متراس الجسر
رؤوس المشنوقين
في الغدير المتدفق
بصاق المشنوقين

على الحصى في الأسواق
أظافر هؤلاء الذين اصطفوا
 ليُطلق عليهم الرصاص
 على العشب الجاف في الخلاء
الأسنان المحطمة لهؤلاء الذين 
اصطفوا ليستقبلوا الطلقات

من العضّ على الهواء، 
وعضّ الحجارة
لم يعد لحمنا آدمياً
من العضّ على آلهواء، 
والعضّ على الحجارة
لم تعد قلوبنا آدمية.

ولكننا قرأنا في عيون الموتى 
ولسوف نجلب الحرية على الأرض

في قبضات القتلى المضمومة
تكمن العدالة منتظرة أن تتحقق.


*تُرجمت عن الانكليزية من هذا النص.

---------------------
*نبّهتني هند هيثم إلى المُراد من البادئة اللغوية (UR-) ذات الأصل الجرماني، والذي كنتُ أجهله،  إن أُلحقتْ بكلمة فهي تعني -حرفياً- الصورة "الأولية - البدائية - الأصلية" منها، لو فرضنا أن هذه "الصورة" قد وُجدتْ بشكل ملموس قديماً وسابقاً على كل الأشكال اللاحقة، لكن هذا لا يصحّ مع غرض إكو من وصفه للـ(UR-Fascism) والتي هي نموذج صياغي "محض"، ونحن نميل لاستبدال كلمة "أبدية" بـ"محضة"، كانت في نيّتي كذلك استخدام "خالصة" ولكني وجدتُ تأثير "محضة" أقوى، وفي ذلك استندنا إلى حوار لغوته مع إكرمان يعرّف فيه الـURreligion أنه "طبيعة نقية [محضة] وعقل نقي [محض]، من أصل الهي".    فالنموذج الذي يصفه إكو هو نموذج عقلاني [محض] لم يوجد قط بشكله هذا ملموساً بل قياسياً.  آيات الشكر والامتنان "المحض" والخالص كله لا تفي  هند هيثم حقها، لم يك يمكنني بأي حال من الأحوال أن أصل للشكل الحالي -والمُرضي لي نسبياً- من هذه الترجمة دون عونها.

Sunday, July 14, 2013

الجنون في الجماعات - ١


حجّاج إلى سان إيزيدور - فرانتشسكو دي غويا


قد مرّ عليّ بعض المحتقرين "للدهماء" أو الخرفان* من منطلق أن الخرفان "يتّحدون" على فكرة يوهمهم بها "الراعي"، وفي هذا افتراض أن الجماهير من الدهماء تجتمع على "وجود فكرة" أو "حضور ايجابي" لها وليس على تخيّلهم لـ"غياب" أو افتقاد للشيء/الفكرة أو تعرض هذه الفكرة للتهديد والضياع- ما يشعرهم بالذعر. يفترض صاحب التعليق السابق أن التأثير المدمر للقوة المخرّبة الهائلة لجماعات أو حشد من الخرفان يمكن التحكم به اذا بثّ القائد بهم حالة الايمان المفترضة - الايمان حالة ايجابية بالمناسبة، وهي كذلك معقدة جداً، ما يجعل مسألة الحشد الفوري والحفاظ على كثافته صعبة. لتعميق الايمان بشيء/بفكرة ما، يلزم تعقيدها أكثر -كآيديولوجية، والبديل السهل هو التخويف. 

أجل، يمكن استخدام سلاح الخوف على عدة جبهات، تخويف الجماهير وتخويف الجماهير الأخرى من الجماهير، يمكن تقسيم الدهماء والخرفان لدهماء مختلفين عن غيرهم، و"خرفان عن خرفان تفرق" بتخويفهم من بعضهم بعضاً. وتتمثل الضربة القصوى والأذكى في تخويف الفرد المؤمن -الايجابي- من الدهماء الـcynic- وقد يكتشف صاحب التعليق أو من هم يوافقونه أن موقفهم الـcynic من الدهماء هو ذاته موقف الدهماء منهم ومن كل شيء آخر. الجماعات الهائجة /الهيجانة/المسعورة لا تحرّكها فكرة بل حالة فريدة من الكراهية المركزة والعدوانية والذعر، حتى لو كان مصدر الكراهية فكرة دينية أو ثقافية - الكراهية في كل حالاتها فكرة مضادة.

غالبا ما أرتاب في موقف الفرد/الأقلية المحتقر للغوغاء لأني أعرف أن الغوغاء تحتقره بالمقابل، وترتاب منه، وتكرهه، إنه يعمّق ويعزز استمرار هذه الدائرة العبثية، ويتخذ نفس موقفهم فلا يجعله هذا مختلفاً عنهم بشدة، هنالك حشود هائلة تخرج لتطالب بتحجيم وقمع حشود أخرى لأن كليهما يكره الآخر، وهؤلاء مثل من يخرجون في حشد ظاهره التأييد وباطنه الذعر أو الخوف من الموت المتمثل في فقدان "الهوية" دينية كانت أو قومية. كل هؤلاء لا يجدون حرجاً من استهداف الآخر أمنياً أو تصفيته، أصحاب موقف احتقار الدهماء والخرفان على أساس أن الخرفان تتبع راعياً هم كذلك سوف يجدون أنفسهم مؤيدين لراعٍ يملك قوة قمعية تتفوق على السابق، وتفسير هذا واضح لأن من ينزع آدمية الخرفان بتبعيتهم للراعي "الأولاني" سوف يبرر قمعهم على يد راعٍ أكثر كفاءة وقوة و"استنارة" بمنطق أن تلك الخرفان "آبقة" وخارجة عن السيطرة وجلبتْ الفوضى. الخلاصة أنه ليس ثمة موقفا مستنيرا من احتقار الغوغاء بل هو ردّ فعل مماثل على احتقارهم هم لمن يختلف عنهم، وهو ليس موقفا عقلانياً بحجّة أن هؤلاء يتبعون "قائد/راع/فرد" دون تفكير، فطالما تواجدت الكراهية/الرعب وُجدت الحاجة لحماية مُنقذ أو قائد يمارس قمعاً مقابلاً.

أجد أن الحالة المريعة لفرد يواجه بمفرده حشد معاد ومؤذ ومنتهِك -  كورتيز من رواية "قلب الظلام" يُعتبر ضحية بالمقياس ذاته- هي نتيجة الفخ الأخلاقي الذي يقع فيه من يدّعون موقفا عقلانياً في احتقارهم للغوغاء، بسبب مشكلة التوصيفات الميتافيزيقية، فطالما وُجد دهماء غوغائيون ومجرمون متعطشون للدماء في فعل كراهية جماعي كلّما تواجد ضحايا من الأفراد "المستنيرين" الذين وقفوا في مواجهة هذه الحشود - كما يحلو للكانُن الكنسي في قصص القديسين أو كما يحلو للمؤرخين تذكره بخصوص هيباتيا- فما حدث لا يمكن حلّه ولا صدّه وهو متوقع، أن تسقط قديسة أو قديس ضحية لهؤلاء الغوغاء لأن كل الحشود في الفضاء العام غوغائية ومغيّبة ولاعقلانية ومتعطشة للدم وتبحث عن فريسة - مثلما تكون الأسود في ساحة الكولسيوم وهي تهجم على المؤمنين المسيحيين- فهؤلاء "مسعورون" ومهتاجون وخرفان لكنهم مذعورون أو كارهون لوجود هذا الفرد في "فضائهم" مثلما هو مذعور وكاره لهم. ويبدو لي أن التشاؤم الايجابي أو الحل الوحيد لهذه الحالة هو اقصاء هذا عن ذاك. والاقصاء الناتج عن هذا التشاؤم فكرة تطيب لها نفوس النخبة المستنيرة أو المتمتعة بامتياز مادي أو طبقي. الاقصاء حل لطيف لكن معه سوف يستمر الضحايا في السقوط -بسبب الحدود والخطوط الحمراء- وردّ الفعل الوحيد على سقوطهم قد يكون التشاؤم السلبي، حتى لو لم يقع المبررون في نكسة "لوم الضحية"، فإنه يبدو من "الجنون" ادانة أو لوم جمع غفير من الحيوانات المسعورة، لأنه لا يمكن محاسبة الحيوانات، أو محاكمتها، أو ايجاد نظام لتحقيق العدالة، أو تجريمها أو الاقتصاص منها، "فأنا حزين عليكي يا مسر، لكن، إيه اللي ودّاكي هناك، ناحية الغوغاء؟" 


* لا أقصد بالخرفان في هذا السياق الإخوان. 
** «إن مرض الجنون نادر عند الأفراد، ولكنه هو القاعدة عند الجماعات والأمم وحقب التاريخ» - [نيتشه]

Saturday, May 25, 2013

المتحرش المعبّأ سياسياً - ٢




الاستخدام  السياسي للتحرش يستلزم حشداً للمتحرشين، أي "تعبئة" للمتحرشين لأجل ارتكاب الفعل، مع كل الآثار النفسية التي تحدثها حالة "التعبئة" أو "التنظيم" في جمع من الناس: التعاون، التكاتف، الدعم الضمني الذي يمنحه كل فرد في هذا "الجمع" لغيره، ما يعظّم هذه الحالة أنه جمع "متجانس"، كله من الذكور، بنفس الظروف والحالات، تكونت فيما بينهم "رابطة" نفسية لحظية في مكان ووقت معين، لأسباب معينة، هو اذن جمع من الذكور، مُشابه للمجتمعات الذكورية التي يتولّد داخلها مقت لكل ما هو مخالف  لهويّتها الجمعية المتخيّلة، مثل مقت كل "نوادي الفتيان" للدخلاء من الفتيات، تتراوح ظاهرة نوادي الفتيان من مقت العسكر والجنود للنساء  المؤدي للعدوان عليهن سواء في أوقات السلم أو النزاعات المُسلّحة، إلى عدوان مُجتمعات لاعبي الفيديو الذكورية على امرأة "دخيلة" تحاول انتقاد الألعاب. الغرض السياسي من استخدام التحرّش هو التشديد على "الآبارتهايد الجنسي" أو الفصل الجنسي بين النساء والرجال، يتم طرد النساء من أماكن أو تجمّعات معيّنة لأنها "ليست أماكن للنساء"، لكن النساء يتواجدن يومياً وبحرية في الشارع المصري منذ مئات السنين، كيف يمكن اذن حل هذه المعضلة؟ الحل هو عملية "حشد" ذكوري بما يخلقه هذا من "كتلة" تؤمن فيما بينها أنها تستحق وحدها احتكار "الفضاء العام"، هو نفس تأثير الحشد/التعبئة/التنظيم السياسي الحزبي أو الآيديولوجي - لم يك لينجح هذا الحشد دون الكارت الأبيض للتحرش الذي تمنحه السلطة أو الأجهزة الأمنية، سواء بالتغاضي عن الفعل أو بتشجيعه أو باعطاء الأوامر الصريحة بارتكابه(*). مثل الكارت الأبيض الممنوح ضمنيا للجنود -من قِبل القادة العسكريين- في أوقات اجتياح المدن.

ينسى البعض أن حوادث التحرش لغرض الارهاب السياسي تقع في "الفضاء العام": الشارع، وحالة الحشد بين الذكور المتحرشين لا تُنسى بسهولة ولا تتلاشى آثارها النفسية متى ذهبت النية السياسية، بعد حادثة التحرش بالصحافيات في ٢٥ مايو ٢٠٠٥ أمام نقابة الصحافيين - وسط البلد- أبدى الجميع  حيرةً واندهاشا من حوادث التحرش الجنسي الجماعي شبه المنظم في عيد الفطر ٢٠٠٦  بمناطق متفرقة بوسط البلد. رغم أني أميل للربط بين الحادثتين.

 استخدام التحرش الجنسي كأداة سياسية - بالاضافة للأمثلة السابقة، التحرش الجماعي في ميدان التحرير نوفمبر ٢٠١٢ و يناير ٢٠١٣ وغيره -   قد انتقل بالمتحرش من مرحلة ارتكاب الجريمة ﻷنه يأمن العقوبة إلى ارتكابها وهو متأكدٌ أن هذا ما يريد فعله الرجال الآخرون في المكان، عزوفهم عن التحرش لا يُفسّر كالتزام أخلاقي بل لأنهم يفتقدون  الكارت الأبيض، الذي مُنح لـ"بعض" الرجال في "بعض" المواقف من قبل السلطة لخدمة "بعض" الأغراض سياسية. تكرار استخدام التحرش لأسباب سياسية  يقوّي الأثر النفسي لعملية الحشد السياسي المؤقت أو الدائم لعدد من المتحرشين، لقد تمت شرعنة العنف للأبد، وأصبحت حالة الحشد ممكنة وجاهزة وحاضرة سواء في اطار سياسي أو مع انعدام الاطار السياسي.

يُقابل هذا افتقاد النساء المتزايد لأي نوع من الحشد سواء كان اجتماعيا أو سياسيا أو نفسيا فيما بينهن، فالآثار النفسية للكارت الأبيض تعدّت التضامن بين المتحرشين من الذكور إلى مرحلة الضوء الأخضر للتجمع والاحتشاد لأجل التحرش جماعياً بأي مظهر من مظاهر "التنظيم/التضامن/التجمّع/الاحتشاد السياسي" بين النساء وبعضهن البعض، أوضح أشكال هذا ظهرت في حادثة التحرش الجماعي بالمسيرات النسائية بالتحرير في يوم المرأة العالمي ٨ مارس ٢٠١١.  قد يملك البعض رفاهية التصريح بأن "الاستخدام السياسي للاعتداء الجنسي على النساء" هو أحد "مظاهر المشكلة" وليس سبب لها حين يعقب هذه الحادثة مباشرة، أي في ١١ مارس ٢٠١١، كارثة كشوف العذرية.

التفرقة بين النساء وبعضهن البعض قديمة للغاية، فكما هنالك تفرقة طبقية هنالك تفرقة بين المرأة "العلمانية المستقلة" وبين المتدينة، فالمحجبة مختلفة عن غير المحجبة إلى درجة العداء، والمنتقبات ينتمين إلى "طبقات اجتماعية" مُهمشة و"بيئة" و"همجية" بينما التي تكشف شعرها تملك رفاهية الذهاب لمصفف الشعر يومياً، تصل أدوات البطريارك للتفرقة بين النساء وبعضهن البعض لمستوى "اقليمي"، فهنالك اهانة مستمرة وتصغير وتحقير للمصرية وحجابها أو سفورها مقارنة بغيرها من العربيات.  بشكل عام، هنالك "تفرقة" وتمييز وتصنيف وابتكار لأنماط وصفات عجيبة خرافية لأنواع مختلفة من النساء ليست موجودة إلا في رأس البطريارك أو المثقف المتحرش، وهذه تخدم غرضا وحيداً هو "اقناع النساء" أنفسهن وجعلهن يؤمّن بأن ثمة فروقاً غير متهاونة بينهن، لا يمكن المصالحة بينها أو اذابتها. إلى درجة أن يمارسن هن أنفسهن العنف النوعي (gender-based violence) ضد بعضهن في أماكن "الآبارتهايد الجنسي" مثل عربات المترو.

الملحوظ في حوادث التحرش الجماعي أن "الحشد" ينفرد في النهاية بامرأة واحدة فقط، الحشد يتوجه ليفصل امرأة واحدة عن المجموعة التي كانت تقف وسطها، يتم انتزاعها بعيداً، حتى في حالات الاعتداء علي المسيرات الجماعية للنساء، يبدو لي أن هذا الحشد "يفقد برمجته" حين يُواجه "بتجمّع نسوي" قوي ومتماسك، فهو عاجز عن ممارسة ارهابه اذا النساء احتشدن في المكان ولم يتفرقن. وقد يزول بالكامل، ويزول عنفه و"كارته الأبيض" وتعبئته السياسية اذا وُوجه بحشد نسوي "معبّأ" بالمثل.

Saturday, May 4, 2013

المثقف المتحرش - ١

أشعر بالاحباط من نفسي، كلما تذكّرت أو رأيت أو قرأت، أو عاودتُ القراءة، عن فتاة التحرير -في أحداث مجلس الوزراء، ديسمبر ٢٠١١- تدمع عيناي. وهو انزعاج من هذه الهشاشة تجاه الرمزيات، ظروف العنف النوعي (gender-based violence) الذي تعرضت له فتاة التحرير تحمل ثقلا رمزيا/وطنياً لم يتواجد في أحداث أخرى لا تقل بشاعة- مثل كشوف العذرية، مارس ٢٠١١- أو حتى الاعتداء على الصحافيات من قِبل بلاطجة النظام في مايو ٢٠٠٥. في دراسات العنف ضد المرأة في فترة الأزمات والنزاعات السياسية أو المسلحة هنالك رأي - أتفق معه- أن العنف الجنسي الموجه ضدهن المقصود به اهانة واذلال الهوية الوطنية - لقد وقعت في نفس الاختزال الرمزي، الاعتداء على جسدها تم استعيابه فكرياً كاعتداء على مفاهيم جمعية ميتافيزيقية من قبيل الشرف والوطن والقومية أو حتى الثورة نفسها. هذه المشاعر قادمة من نفس المكان الذي أتى منه العنف الجنسي في المقام الأول. هذا نزع لآدمية الضحية، تشييئها، وتحويلها إلى امتداد للهوية المركزية التي هي هوية الذكر، أو ملكية له. في هذا الفكر نفس السلبية الناعسة في تعبيرات مثل "مصر أمّ الدنيا".
و يتوازى مع التنميط القديم أن الذكور همّ المكلّفين بحماية "نساء الجماعة"، أو الوطن. إن العنف الواقع عليهن عارٌ لأنه يستهدف شرف الذكر حين لم يتمكن من حمايتهن. وليس لأنه جريمة في حق إنسان كامل الأهلية. مستقل تماماً عن غيره. هذه المونولوغات المختلّة تصل إلى مداها، ليس فحسب في الرمزيات المتبادلة بين نحن والعدو. حيث أن الاعتداء على "حريم" العدو هو تجريد للعدو من "فحولته"، والعكس صحيح. بل حين يتخذ البطريارك - ومن يقع في دائرة نخبته- "فانتازيا" منحرفة عن الجماهير. الجماهير الهستيرية، غير العقلانية، فاقدة الأهلية، التي تحتاج لوصاية، التي تسيء الاختيار، والتابعة لبطريارك، والمتطلّبة أو المسؤولة منه. 

الحجّة أن "تأنيث" الجماهير بغرض نزع الأهلية عنها وتبرير العنف ضدها، فكرة مصدرها أن البطريارك له مطلق الحرية في تعنيف شعبه فقط لأنه "الدكر" أو رجل البيت، وكل ما لا يتوحّد مع "هويته" يصبح في مرمى النيران.
 ورد هذا الاقتباس من كتاب سوزان براونميلر، "ضد ارادتنا":

العقلية النازية تصوّر الجماهير على أنها "أنثوية وضعيفة" - يخلص الاقتباس من كتاب براونميللر أن هذه العقلية هي التي سوف تلجأ بعد حين لكل أشكال العنف الجندري/السياسي تجاه النساء، كوسيلة قمعية. الاقتباس يساعد في استنتاج أن أبشع مستويات العنف هي الناتجة عن "خيالات" مرتكبيه عن الهوية القومية أو الوطنية أو هوية الأب نفسه كـ"رأس الدولة/النظام"، مثلا، عسكري الأمن أو الجندي يتخيّل نفسه متوحداً مع "نظام" قمعي مدافعاً عنه - عن بقاءه، بما أن بقاء النظام من بقاء زبانيته- وهذا يبرر العنف ضد النساء أو المعارضة أو المتظاهرين.

هي ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها باسم يوسف ميتافور بذيء مُهين للمرأة، لكنني أجده الأخطر.

فيه يقوم خالد منصور بتمثيل دور هزلي لامرأة اسمها "جماهير"، والمقصود، بالفعل، ميتافور ينطبق مع الاقتباس السابق للتخيّلات النازية المنحرفة عن الجماهير المقموعة والمستعبدة أو المستسلمة للسلطة سواء بارادتها أو نتيجة لحمقها وسوء اختيارها، والسبب الثاني هو الوارد هنا في الفيديو، جماهير امرأة اختارت الرجل الخاطئ، في اعادة تدوير لحالة "عنف منزلي" شائعة لكن في اطار الميتافور السياسي. يستخدمه باسم يوسف ليمرر رسالة أنه "ثمة دكر أفضل من الحالي.." فحسب. لا أكثر، ولا أقل. المثير للاهتمام كيف تمّت الاستعانة بعناصر أخرى للدلالة على "الدونية"، فجماهير تنطق حرف التاء  بالطريقة التي "يتخيل" النخبة - من أمثال باسم يوسف- أن نساء الطبقات الاجتماعية الأكثر تهميشاً، أو "الأقل" بشكل عام، تنطقه بها. (نفس اللكنة التي أدّتها دنيا سمير غانم في فيلم "طير إنت"، حين كانت تلعب شخصية بائعة في بوتيك") -نفس هذه اللكنة يهزأ منها باسم يوسف في "الإفّيه" الشهير "هانشد ميشد"، في نوع من الـbullying لامرأة ما لا أعرف سببا لاستهدافها بالاستئساد أو "التريقة". أو بشكل عام، لهجة جماهير مختلفة عن لهجة أسامة منير أو باسم يوسف "ممّن تلجأ إليهم لطلب المشورة والعون".

  تأتي تحرّشات وزير الاعلام الاخواني صلاح عبد المقصود في نفس التيار، صحيح أنه استفتح فترته الوزارية بتحرش جنسي سافر.
ليس جديدا على "الدولة" استخدام هذا الأسلوب لقمع المعارضة - من السيدات أو الرجال- واستخدام الاستهداف والعنف الجنسي، لكنه ظهر واضحاً في صورته "الرمزية"، التي يعبر عنها اقتباس براونميلر، المُسيء أن من يعدّ محسوباً على المعارضة والنخبة والمثقفين "يبتذل" هذه الرموز في أسوأ مستوياتها، صلاح عبد المقصود يستهدف الصحافيات اللائي يسائلنه عن حرية الصحافة أو الاعلام أو اللائي يشكلن تهديداً سياسياً له، وهو في موقعه الهشّ كوزير حكومة فاقدة الشرعية، يأتي تعبير "تعالي أقولك فين" مستهدفاً امرأة كرمز "للجماهير" - وبنفس العقلية التي كانت وراء اسكيتش باسم يوسف عن "الجماهير"، بوصفه مثقف متحرّش، لم يزد ردّ فعله- المحبط لكن المتوقع نوعاً- عن رفع مستوى "الإفّيه" المتحرش والمسيء للمرأة، بنكتة "تعالى ماسبيرو ونجيب ميرو" ردّاً على وزير "اعلام" متحرش، بطريقة، أنا أيضا في جعبتي المزيد مما لا تستطيع مجاراته. هي "عركة" تزداد وضاعة لأن الطرف المحسوب على النخبة أو المعارضة أو المثقفين غير قادر حتى على ادانة العنف أو التحرش.