Showing posts with label أفلام. Show all posts
Showing posts with label أفلام. Show all posts

Friday, December 27, 2013

مَشَاهِدْ: لم يُصَبْ أي يهودي بالأذى أثناء تصوير هذا الفيلم -٢



السطر السابق ظهر بعد عناوين النهاية لفيلم رجل جاد، والذي تقترح مُراجعات كثيرة أنه يحاكي عدّة سرديات كبرى مستوحاة من التوراة، عن "الرجل اليهودي"، أو أخلاق العائلة اليهودية الأصيلة، أو هو "حدوتة يهودية" باختصار، وهذا يأخذنا إلى ما يهمنا من الفيلم كله - والفيلم يستحق المشاهدة. لكن المميز بشأنه هو مشهد الافتتاحية. 

الفيلم ذاته يدور في حقبة الستينيات حول رجل يهودي - جاد- بروفيسور في الرياضيات و"عقلاني"، يواجه عددا من المصائب والابتلاءات - شبه التوراتية- التي تقع على رأسه، يُختتم الفيلم بجائحة قادمة رأساً من العهد القديم - اعصار. و ما يتعرض له بطل الفيلم مألوف لمن قرأ الأسفار ولما يحدث  لآباء بني اسرائيل من انقلاب الأهل عليهم، والأبناء، والأشقاء، والجيران، والزوجات - خاصة الزوجات. في الفيلم احتفاء مميز للغاية بكل النماذج النسائية التوراتية، ثمة الزوجة التي تنقلب على زوجها وتدّيله المقلب، وثمة المغوية الشريرة وهنالك المرأة الدموية السفاحة، الخ. 

بالطبع، الفيلم يدخل في نطاق الكوميديا السوداء - ويقدم صنفاً من الكوميديا المُرعبة الذي يثير اهتمامنا بشكل خاص- لما فيه من مبالغات ثقافية وانجاز ظريف يمزج بين المأساة والملهاة، ولعل هذا ما يميل إليه الأخوة كوين، انجاز "نكتة فلكلورية" تمر في أغلب الأحوال على المشاهد دون أن يشعر أنها ثقيلة الظل أو مُشينة أو مُهينة ثقافياً/عرقياً، وهم ربما يفلتون من هذا بتنفيذ حيلة البطل المأساوي، مثلاً: يمكنهم الاستظراف حيال البيئة والثقافية الجنوبية الأمريكية -والافلات من اللوم- بجعل البطل تجسيد لعوليس شخصياً - في سياق الأوديسة الجنوبية. هذا يضيف قدر معقول من التعقيد للشخصيات - حيث بالطبع، إن لم تفعل، و سخرت من الستريوتايب أو قدّمت شخصية "الآخر" في سياق الأداة الدرامية المبتسرة دون أي تطور درامي وفي حدود خدمة الشخصيات الرئيسية - التي هي تقع في المركز، (الشخصية المركزية للبطل المعتاد غالبا ما تكون ذكر أبيض طيب قوي ...الخ) - هكذا تقع في الغلط.



١. القوطية اليهودية

المشهد الذي نتحدث عنه ويعجبنا لأنه يقدم نوعاً من الرعب - أو الكوميديا- أو الرعب الكوميدي النادر، نوعاً، وفي رأيي، لا يتحقق إلا إذا توافر عنصر المبالغة الثقافية، وأقرب وأبسط مثال له هو عائلة آدامز، رغم أن عائلة آدامز لا تمثل فئة ثقافية - أو جماعية وظيفية أو نوعية بحد تعبير المسيري- لكن، كما يذهب تعريف صفحة ويكي، عائلة آدمز هي "انحراف ساخر" عن نموذج العائلة الأمريكية المثالية، ليس فقط في كونهم جميعاً بشعر أسود أو شاحبي البشرة، هم أيضاً يرفلون في بيئة كئيبة مُقبضة مليئة بايحاءات الموت القوطية، لا يمكن وصف عائلة آدامز - الأمريكية الثرية- أنها تجسيد للآخر والغريب في وجهة النظر الأمريكية اليمينية، لكنها ربما تمثّل ذعراً أمريكيا قديما - من أيام الاحتلال، وحرب الاستقلال- بأن ينتهي الحال بأمريكا مُجدداً إلى مجرد مستعمرة أوروبية، (بالطبع، عائلة آدامز لديهم طباع أوروبية، بلا شك، مزيج من الدموية الفرنسية والوحوشية الجرمانية والكابوسية الأسبانية، الخ) وأن يتحول الأمريكيون لوحوش أوروبيون قوطيون يسكنون قلاع ولديهم عادات أوروبية قوطية، غريبة، ومقرفة، ومريعة، و ungodly. فوبيا العودة لحالة المستعمرة الأوروبية لا يتعلق فحسب بخوف الأمريكيين من أن يقعوا تحت وطئة احتلال ولكن، بشكل خاص، فقدان القيم المتعلقة بالحلم الأمريكي، والأرض الحُرّة العذرية، والديموقراطية المسيحية، وشكل التدين القويم، المعتدل، المستقيم، الخالي من شوائب الوثنية، أو التطرف، أو الخبال، أو الافتنان القوطي بالموت، أو الأيقونات المرعبة، والصلبان الضخمة، وجثامين القديسين، الخ.

القوطية - بأصولها وطبيعتها الأوروبية، التي تستقي أغلب رموزها وهواجسها من الكاثوليكية، غالباً - حاضرة في الثقافة الأمريكية بالطبع، لكن أغلب تجسّداتها- الأكثر شيوعاً- تقع في هامش جنوبي، إنها - في الأغلب- مُتعلقة ببيئات وأفراد وثقافات أخرى، بعيدة عن المُثل الأمريكية الحرّة، وعن أنماط التدين الأمريكي المعتدل، العقلاني، القويم، صحيح أن الجنوب بروتستانتي في أغلبه لكنه مُهدد بانحرافات دينية دموية، وقد رمى الشمال المتحضر القائم على التطوّر طوبة الجنوب القوطي منذ وقت طويل.

القوطية الجنوبية نمط درامي في الفن والأدب - أحد أمثلته لوحة القوطية الأمريكية - وأعتبرها شرحاً ممتازاً للجنرا الفنية السابقة، مثل عائلة آدامز، القوطية الجنوبية تحكي قصص عن عائلات - جنوبية - غريبة الأطوار وذات طباع مريعة ومفزعة، أحيانا دموية، في الغالب مزعجة ومعيوبة وبعيدة عن النمط المقبول والطبيعي لما قد يتخيّله المشاهد والمتابع والفرد العادي عن العائلة الأمريكية الأصيلة. وأخلاق العائلة الأمريكية الأصيلة. في اللوحة، يقف أب حاملاً مقشّته مُهدداً أياً كان من يفكر في الاقتراب من ابنته (عانس تعيسة حبيسة أو دامزل إن دسترس)- أو هكذا تخيلتُ القصة بناء على عنوان اللوحة. الذي يفترض "تصرفات" عائلية متطرفة لأفراد - آباء- مهووسين دينياً أو ذوي تقاليد صارمة نابعة من تلك البيئات الهامشية والمنسية في الجنوب الأمريكي الشرس. هذا مماثل لما قد تتخيله ثقافة المركز عن أي ثقافة هامشية أخرى، فتخترع النكات بشأنها، والأمثلة على ذلك كثيرة .. "مرة واحد صعيدي..مرة واحد أحمر الرقبة، مرة واحد يهودي... الخ)

ويتضح لنا أن هذا كله وثيق الصلة بموضوعنا - فيلم رجل جاد- حين ننظر إلى الموضوع المفضّل في أفلام الأخوة كوين - تقديم تلك النماذج الجنوبية الأمريكية المفزعة، غريبة الأطوار، أو المنفرة- هذا لا يعني بالضرورة "شكل من التخصص" في النكات الفلكلورية، بل يفسّر وجهة نظر الأخوة كوين حين حاولوا معالجة "المسألة اليهودية"، وقد اتّبعوا نفس الأسلوب في معالجة النكتة الفلكلورية الجنوبية، بتقديم نموذج شديد الانحراف، والمبالغة، والمأساوية، لعائلة "الآخر"، كون الأخوة كوين يهود لا يعني أنهم لن يقدّموا معالجة فلكلورية لليهود، بل ربما أراد الأخوان تقديم "النكتة اليهودية الكبرى"، (تحريف للسردية الكبرى)، فيلم رجل جاد عن هذه النكتة اليهودية الكبرى حيث أراد مخرجوه أن يؤكدّوا أنه - بعد كل تلك النكات، والسخريات من اليهود عبر التاريخ- بالطبع فإن أفضل نكتة عن اليهود هي تلك التي سوف يصنعها اليهود أنفسهم، ولن يتغلب عليهم أحد في السخرية من أنفسهم. 


٢. الدين والأفيون

رغم أن اليهودية كدين لا تُعامل معاملة الهرطقة - كما قد تُعامل طوائف مسيحية كثيرة كالمورمونية- ولا تُعامل معاملة زوجة الأب - أي الكاثوليكية- وهي بطبيعة الحال لا تدخل في تنميط الأمريكان عن تلك الديانات المرعبة والمخبولة والدموية كالاسلام. بالعكس، وجهة النظر الرسمية تُلحق المسيحية - أو المسيحية الأمريكية - بالتراث اليهودي، في تعبير الجودايو-كريشتيانيتي، كما توضح إحدى حلقات راديو هند. 
لكن ما هو "المانوال" حقاً إذا أردنا صنع "قوطية يهودية"؟ أظن أن الخطوة الأولى هي استعادة الثقل المُقبض والمنفر للديانة، أتخيل أن الأخوة كوين وقفوا طويلاً حيارى تجاه ذلك أو كيف يمكنهم البدء في هذه النكتة، ولأنهم أرادوا صنع نكتة يهودية كبرى، لا ينافسهم فيها أي نكّات آخر. لأن اليهودية واليهود ليس لديهم setting أو أساس بيئي جغرافي راسخ - بعيد، هامشي- يسهّل اختراع نكتة طريفة بشأنهم، فهم لا يتركزون في الجنوب، بل في المركز الشمالي، نيويورك، وول-ستريت، والغرب الثري، وهوليوود، لا ننسى أن الأخوة كوين يحاولون صنع نكتة يهودية -أمريكية، والوجود اليهودي في أمريكا مركزي للغاية، والوظائف النمطية لليهود الأمريكان تصعّب المسألة أكثر فأكثر، هنالك إرث مستمر وراسخ ويفرض نفسه بشأن اليهود، وبشأن انجازاتهم المالية، والعلمية، والعقلانية، إنهم في الآكاديميا، وفي السينما، وفي البورصة، وفي جوائز نوبل، إنهم - في الذهنية الأمريكية- بعيدين كل البعد عن الظلامية، والبربرية، والتعصب، إنهم ليسوا أميين، ونسائهم لسن "دامزلز إن دسترس"، ولسن حبيسات منازل كولونيالية في الجنوب، وعلى صعيد آخر، تاريخهم في أمريكا لم يرتبط باستعباد الآخرين، أو تقطيعهم ارباً في الشوارع، أو قتل النساء، أو أي من هذه الانحرافات، بل أنهم كانوا دوما ضحايا، شهداء، كما تُشاع الصورة النمطية. كيف يمكن صنع نكتة فلكلورية-قوطية من هذا؟ المفترض أن يكون الأفراد دمويين، أو غرباء الأطوار، أو مثيري الذعر.

الحل المبدئي ببساطة يكمن - كما قلنا- في اخراج كل الغسيل الوسخ بشأن الديانة أو بشأن خرافاتها، لهذا جاء مشهد الافتتاحية، ووفقا للمخرجين أنفسهم، المشهد لا يمت بصلة مباشرة للفيلم ذاته، وحين تم السؤال عن ذلك، يقول إيثان وجويل كوين أن مشهد الافتتاحية يقترح أن لاري- بطل الفيلم، الرجل الجاد- يحمل "ثقل التاريخ" فوق كتفيه، حيث، على حد تعبير إيثان كوين- (من الصعب أن يكون المرء يهودياً) ويشرح جويل أنه يمكن النظر للافتتاحية على أنها تمهّد للفيلم كقصة يهودية، أو قصة عن "الشعب اليهودي"، حسناً، في رأيي، الافتتاحية تمهّد للفيلم كنكتة يهودية -قوطية- أمريكية، مع الأسف، لم يستطع المخرجان أن يقيما السياق على الأراضي الأمريكية، فجاء المشهد، أولاً، باللغة اليديشية، ولاشك أن هذا قد أزعج المشاهد الأمريكي العادي، ثانياً، كان المشهد يدور في القرن التاسع عشر، في بلد بشرق أوروبا، ونحن نعرف أن الفيلم نفسه يدور في الستينيات في وسط-غرب أمريكا. هذا يحل مشكلة الصورة النمطية المعاصرة عن يهود أمريكا، في المشهد، نجد زوجين يهوديين، الزوج يعود من الخارج في ليلة عاصفة بالثلوج، والأدوار الجندرية نمطية في مكانها - كما قد يكون الحال في جنوب أمريكي - والزوجة تطحن شيئا لأجل العشاء، وصحيح أن اليهوديات الأمريكيات -نمطياً - لسن زوجات متطيّرات مهووسات دينياً كما قد يكون الحال في الجنوب- لكن هذه المرأة كذلك، وثمة بونص يهودي خاص، هي دموية، قاسية، سريعة التصرف، أو متنمرة، ساخرة من زوجها، وهي بتصرّفاتها "تقزّمه" أو تقلل من حجمه، كما قد تكون ليليث التوراتية، أو سارة أو جيزيبل أو جوديث، أو دليلة، وغيرهن. 


 لأجل أن تنتقل باليهود الأمريكان المعاصرين من وضعية المركز لوضعية الهامش،  أنت بحاجة للبعبع الأوروبي، حين كان يهود الدياسبورا مُشتتين مذعورين في بلدان أوروبية مسيحية تتربص بهم وتتهيّب اللحظ للفتك، إنهم في المكان الخطأ في الوقت الخطأ -بالنسبة للمجد اليهودي-، بلا مجد ولا رب يحرسهم، ولا ثروة، الزوجان فقيران، يسكنان عشّة أو كوخ يعصف به الثلج. وكل هذا لأجل صنع قصة "قوطية يهودية"، لا تخلو من الكوميديا السوداء التي تدور حول موضوع الموت. أو الموضوع الديني/عن الموت. المشهد قد يمكن تفسيره في نطاق البارانويا اليهودية أو في نطاق المرأة اليهودية الهستيرية .حيث أنه أحد عناصر القوطية - سواء كانت جنوبية أو يهودية أو غيرها- استعادة المفاهيم الرجعية عن المرأة والآخر.

الزوجة اليهودية هستيرية وفي الوقت ذاته تتحدى زوجها وتهين ضيفه، فالزوج يعود إليها ليحكي أنه قد التقى بأحد معارفهم، وأنه ساعده، وأنه قد دعاه إلى الحساء هذه الليلة، ولكن الزوجة تعترض وتخبره أن هذا الرجل ميت منذ ٣سنوات، وأن ذاك الذي التقاه هو "روح شريرة" أو ديبوك، الديبوك روح الميت العالقة، أو هي روح استحوذ عليها الشيطان لأن مراسم الدفن لم تتم كما يجب - على حد تفسير الزوجة. وهكذا فقد صرّحت الزوجة في المشهد أن هذا الرجل الذي ساعد زوجها هو الشيطان شخصياً، وقد بصقت عن شمالها، لعل مصطلح الديبوك أو قصص المس الشيطاني غير حاضرة في الواقع اليهودي المعاصر- في أمريكا بشكل خاص- ولكنها ضرورية لأجل صنع افتتاحية قوطية، ولابد أن المخرجين قد اضطرا لقطع طريق طويل في الزمان والمكان لأجل استحضار تلك العناصر اليهودية النائية. وجود الزوج في المشهد قد تقزّم أمام اصرار الزوجة - خاصة بعد حضور الضيف- وبعدما قامت بطعنه لتثبت لزوجها أنه روح شريرة، في البداية لم ينزف الرجل. "لم يصب اليهودي بأذى". 

الرجل نفسه أثناء حياته لم يكن "غوييم" أو من الأغيار، بل "فقيه" يهودي في الزوهار - وهو كتاب مؤسس في القبالة اليهودية (أو التصوف اليهودي)، وقد تتلمذ على يد علامة يهودي آخر. مُجدداً، يحاول الأخوان حشد كل ما يمكن لهم حشده من العناصر والتفاصيل اليهودية التاريخية والميتافيزيقية (الدينية)، التي قد تكون غريبة ومنفرة حتى بالنسبة لليهود الأمريكان المعاصرين، في محاولة لصنع مشهد ديني متطرف، ولا تفوتنا النكتة التي ينطوي عليها المشهد، حيث أنها في محاولتها لاستبيان إن كان ذلك الرجل الذي أمامها هو من يدّعيه، قامت الزوجة بطعنه، لو كنا في سياق كاثوليكي، لقامت بالتلويح بالصليب في وجهه أو رشه بماء مقدس، الخ. حسناً، قد يُفسّر هذا كمبالغة بخصوص المرأة اليهودية الدموية ، ولكن الرجل لم يكن "من الأغيار"، والنكتة مفادها  أنه لو كان يهودياً بحقّ لأصيب بالأذى، حيث أن اليهود دوماً هم من يصابون بالأذى*، ولو كان يدّعي أنه يهودي ولم يصب بالأذى فهو ليس إلا الشيطان. سرعان ما ينتشر الدم من الطعنة على قميصه الداخلي الأبيض، ثم ينصرف الرجل خارجاً من الكوخ. 


٣. عليك أن تجد شخصاً لتحبه

في الفيلم ثمة حضور خرافي للديانة، الحاخامات يملكون قوة مؤثرة على الشخصيات، الزوجة وإن كانت تطلب الطلاق، وعلى علاقة - غير شرعية- بآخر، فهي إنما تطلب الطلاق حتى لا تكون آغونا(معلقة كالبيت الوقف يعني) ، ثمة مشهد طويل لبار-ميتزفاه، يحضره الصبي البالغ وهو تحت تأثير الحشيش، ويذهب للحاخام تحت تأثير الحشيش، وحين يدخل مكتبه يطالع كل اللوحات المعلّقة والتي تحشد كل ما يمكن استحضاره من المآسي التوراتية الدموية، فذاك ابراهيم يذبح ولده وتلك جوديث تذبح هولوفرنس وغيرها، وحين ينطق الحاخام بعد صمت طويل، تخرج منه كلمات أغنية فريق طائرة جيفرسون (عليك أن تجد شخصاً لتحبّه)، المصنّف كآسيد-روك (روك المواد المهلوسة - صب-جنرا للسايكدليك روك). هذه كلها رؤى طريفة للديانة تتبع إثر اليهودي من القرن التاسع العشر ذي الآراء عن الدين والأفيون وخلافه. وقد أفلح الأخوان كوين نوعاً في صنع بيئة دينية يهودية متطرفة بشكل هزلي، وبعد مجهود كبير، نجحا في جرّ الجماعة اليهودية إلى خانة الطوائف الدينية المخبولة في أمريكا، بكل ما يتعلق بهم وبحياتهم العائلية الداخلية من هلاوس، وظلاميات، وبربريات، ورعب، وابتلاءات توراتية. بشكل قد يفاجئ المشاهد اليهودي نفسه، ولعل الفيلم موجه حقاً للجمهور اليهودي مع رسالة طريفة تشبه رسالة "لم يصب أي يهودي بالأذى أثناء تصوير هذا الفيلم" حيث " أن هذا كل يحدث للآخرين، فالجميع يعرف أن اليهود مش كدا، ولم يكونوا كدا أبداً، ولن يكونوا كدا أبداً، إنهم في المركز، يتمتعون بالامتيازات والحماية، ولكننا نستطيع أن نستظرف، ونجرّهم للهامش، هذا يجعل النكتة أكثر هستيرية وكوميدية، إنها نكتة "في المشمش" أخرى". والخلاصة، وإن لم يعد من الصعب أن يكون المرء يهودياً، فإنه من الصعب حتماً أن يصنع المرء نكتة فلكلورية يهودية، أو قوطية يهودية أمريكية. 


----
*أثناء الكتابة تذكّرت هذه القائمة البغيضة عن "الخراء يحدث"، وهي قائمة سطحية، عنصرية، شديدة الاستظراف ثقيل الظل، بعكس الاستهبال خفيف الظل الذي يصنعه الأخوان كوين، والقائمة تقترح أن السؤال اليهودي هو "لماذا يحدث الخراء دوماً لنا؟" الضمير عائد على الشعب اليهودي بالطبع.

Monday, December 23, 2013

مشاهد: جُرعة اليوم من العنف الأسري -١

 

 قراءة حُرّة في (الغيرة القاتلة)
 

ما ذكّرنا بالفيلم ليس كونه مُعالجة لمسرحية شكسبير “عطيل”، حيث أن كل المعالجات الشكسبيرية في السينما تثير اهتمامنا وجديرة بالتذكّر، بل أن هذا ما اكتشفناه حين بحثنا عنه، فقد كنا نبحث عن مشهد النهاية في الفيلم، يحيى الفخراني - ومما نذكره، كان شخصا مؤذيا شريراً - يمشي إلى حتفه مُنتحراً، في مشهد مزرق للبحر، وهدير الأمواج في الخلفية.








اذن، في هذه المعالجة ياغو من ينتحر، وليس عُطيل، ديدمونة لا تُقتل، قبل مشهد انتحار مُخلص/يحيى الفخراني/ياغو، أو سيره الغامض إلى أمواج البحر في زرقة الفجر، الذي اخترنا أن نأوّله انتحاراً، يحتضن عمر عطاالله/نور الشريف، عروسه دينا/ديدمونة/نورا، قائلاً: “أنا آسف، مش غلطتي، ولا غلطته، دي غلطة الزمن اللي احنا عايشين فيه."






١. وحش أخضر العينين



“حذار من الغيرة أيها السيد، إنها وحش أخضر العينين، يسخر من فرائسه.”

شكسبير- عُطيل



و حول اختيار يحيى الفخراني للدور، فهو ممثل ليس أيقونياً بالنسبة لأدوار الشرير، أو الوغد، أو الوضيع، أو المنحلّ، أو المؤذي، وثمة مشاهد في فيلمنا، خاصة تلك التي في آخر ربع ساعة من الفيلم، حين يطلب مُخلص/يحيى الفخراني من عمر/نور الشريف أن يمسك الكلب لأنه يريد أن يرحل، وقد كان يقولها بعبوس وتكشيرة طفولية. فكل الكلاب في الفيلم تنبح على مُخلص، وترغب في مهاجمته.

 



لم تك شخصية مُخلص مُغرقة في شر شيطاني ومرعب، ولم يكن له خواص خوارقية بشكل خاص، ما عدا الاشارة الميتافيزيقية الهزيلة لعصبية الكلاب في حضور مُخلص، مخلص ليس الشيطان وليس إبليس الذي يجسده ياغو في النص الأصلي أو في معظم معالجات المسرحية، كنوع من التنويع على أقدم قصة في الكتاب، أو عداوة إبليس لآدم وما ترتب عليها من خروجه من الجنة - موت ديدمونة على يد عُطيل. ثم انتحار عُطيل نفسه، ويمكن قراءة هذا في سياق التقليد الشكسبيري أو في سياق دمج لعدة سرديات كبرى عن أقدم معركة كونية، بين إبليس وآدم، أو بين سيت وأوزيريس، أو بين قابيل وهابيل.



ويمكن القول أن النص الأصلي يستند للضعف البشري، ولاستغلال إبليس/ياغو لهذا الضعف البشري، خطايا مميتة مختلفة، مثل الغيرة، والغضب. فالغضب هو الأكثر “وضاعة” من بين هذه الخطايا، نتيجة للطبيعة الحيوانية والمنحطة والخالية من العقل، التي للبشر. أنصاف القرود. في حين يحتفظ الشيطان لنفسه بخطيئة “مرموقة” مثل الكِبر.



إذن كان ياغو مُتكبراً في النص الأصلي، يستهجن كيف يحظى ذاك القرد الأسود - عطيل- بكل هذه النعم في حين لا يحظى هو بأي منها، وهكذا يمكر لتدمير حياة عُطيل، لا يبدو ياغو “طامعاً” فيما لدى عطيل، فقد ترك الطمع والشهوة وسائر تلك الخطايا الوضيعة للبشر، ياغو يتصرف مثل قوة ظلامية وكونية، شر لذاته، ودمار محض، لذاته، فالشر له طرقه الخبيثة والشريرة لأنه شرّ، ليس ثمة مُبرر.




٢.  الكلاب تنبح على مُخلص



في المعالجة المصرية “الغيرة القاتلة”، لا يبدو أن الغيرة خطيئة عطيل/عمر عطاالله في الفيلم، بل أن غيرته لا تشغل من الفيلم سوى آخر ربع ساعة، ليست الثيمة التي يعتمد عليها، كما اعتمد عليها النص الشكسبيري، لقد تمت ازاحة الغيرة لشخصية ياغو/مُخلص. لقد تم تخفيف الثقل الخوارقي والميثولوجي لطاقة ياغو/مُخلص التدميرية واستيعابها في قصة صداقة/أخوة بسيطة، مُخلص صديق طفولة عُمر، وعلاقتهما للأخوة أقرب، ولكن مُخلص يحقد على عُمر -غالباً لنجاحه- ويحكي الفيلم كيف وصل هذا الحقد لذروته، وهو حقد مُتراكم في روح مُخلص مذ الطفولة، وجاء لينفجر حين بدا له أن عمر سوف يحظى بكل ، شيء، الثروة، الزوجة الصالحة، والنجاح، وربما العيال. لأنه جريء، والحظ يُفضل الجريء، كما نعرف.



في حوار بين مُخلص وزوجته عصمت، تلومه عصمت على جبنه وحذره، وبسببه بقى مُخلص طوال حياته “محلّك سر”، غيرة مُخلص من عمر ليست واضحة بقدر وضوح دور مُخلص في الفيلم وفي حياة عُمر كطاقة سلبية، مخلص كتلة سلبية، كاره للتقدم، والتطور، ولا يريد أن ينجب من عصمت لأنه لن يتحمل نفقات الطفل، بالإضافة لكون مخلص وحش الغيرة أخضر العينين، فهو كذلك يتحقق فيه ستريوتايب الذكر الغريم الحقود والعقيم، طاقة ذكورية سلبية، ولكونها سلبية فهي عقيمة، وهي موجهة للتنغيص على حياة الذكر الايجابي والخصب. (وهذا الإسكتش مُستوحى من قصة سيت وأوزيريس).



في الوقت ذاته، مُخلص بشر عادي وخطّاء، في مسرحية شكسبير يتم الغاء خطأ ياغو، حين لا يعود ياغو بشراً يُحاسب على خطايا، الطبيعة البشرية لياغو تحل محلها طبيعة شيطانية تبلغ ذروتها بعد فعل التدمير الكامل، ومثل إبليس لا يعترف ولا يدرك ياغو أنه مُخطيء، لعل المعالجة المصرية التي جعلت من مخلص بشر خطّاء يُدرك ذلك في النهاية وربما، بتأثير العار أو الذنب، يذهب لحتفه، بشكل يناسب المشاهد العربي الذي - بحسب وجهة النظر الشائعة- لن يرغب في رؤية البطلين مقتولين، خاصة لو كانا نور الشريف ونورا

حسناً إذن، في المسرحية الأصلية كان واضحاً لي أن القصة الأهم هي قصة ديدمونة التي كانت ضحية لكل رجال النص، وأولهم والدها، الذي ساءه أن تهرب ديدمونة من قبضته الأبوية إلى رجل آخر رغماً عنه، وبتعبير أفضل، أن تختار ديدمونة طريقها وحياتها الخاصة. يقول الأب لعُطيل أنها سوف تفعل فيه ما فعلته في أبيها، وهكذا فإن بذرة الشر أو الشك أو الغيرة زُرعت في البدء من قبل الأب أو البطريارك الأول، لقد ورّثها للبطريارك الثاني، بشكل يحلو لنا أن نتخيله، مثل حجر الأساس للشخصية البطرياركية، في النص الأصلي يمكن للقارئ أن يُدرك الجريمة، بكامل أبعادها، إن شاء، تلك الجريمة التي وقعت على رأس امرأة بريئة، ديدمونة ضحية لكل الرجال في حياتها، وقد سقطت ضحية لآفة روحية تعشش في نفوسهم، وتنتقل كعدوى من الأب للزوج، وصحيح أن النهاية كانت مأساوية، لقد نمت الآفة حتى ارتوت من دماء ديدمونة، وهكذا كان مقتل ديدمونة كاشفاً أو فاضحاً لهذه العلة - علة رجال النص أو العلة البطرياركية. وإلى حد ما يدينها، لقد أتى إذن ياغو مثل إبليس يلعب على أوتار البطرياركية ونواقصها أو نقاط ضعفها الوحوشية. هكذا، وإن حدث هذا بوسائل عنيفة ومأساوية، تم دمج العنف الأسري مع الخطيئة، أو تحويله إلى خطيئة، معالجته كخطيئة، نظراً لآثاره.




٣. العنف الأسري مش خطيئة

 

وماذا حلّ للمعالجة المصرية؟ لقد انتهت مثل حادث عنف أسري - ولا يمكننا وصف شيء بهذه الفظاعة بالعادية - ولكن ليس ثمة ادانة في السرد، مشهد العنف الأفظع والأقبح في الفيلم كان ضرب واهانة عُمر/عطيل لدينا/ديدمونة/نورا. لقد كان مشهداً دنيوياً سوف يميل المُشاهد للتغاضي عنه- مشهد تأديب زوج لزوجته (عادي، وإيه يعني…) علقة زوجية، وبالطبع، هي مُبررة، ومتعاطف معها، مثل جرائم الشرف، في مسرحية عطيل، لم يك مقتل ديدمونة مجرد جريمة شرف، بل مأساة، يدرك فيها عطيل بغيه وظلمه وشرّه مع زوجته، ولكن بعد فوات الأوان، فينتحر، ينفذ العقاب على نفسه بنفسه. وحتى مشهد العنف الأسري/القتل، لم يك مثل حلم بشع ومؤلم - وضع عطيل قبضته الخشنة على رقبة ديدمونة وخنقها “برفق”، في حين انهال عمر/نور الشريف صفعاً وضرباً مهيناً على وجه وجسد نورا. كمحاولة لجعله مشهد أكثر دنيوية “وأسرية” وخشونة أو رجولة.

ونضع في الاعتبار أنه قد تم الغاء عنصر التوتر العرقي الذي كان حاضراً في النص الأصلي، وحل محلّه التوتر الطبقي، وعُطيل، ليس بهيمة شرقية أو حيوان مُثير قادم من البرية أو المجاهل الافريقية كما يحلو لبعض المعالجات الغربية تقديمه*، بل كان مهندساً متفوقاً على عتبة النجاح، ويتبع الفيلم حُجة ياغو في النص الأصلي، مثلما يتذمر ياغو من تجاهل عُطيل له، واختياره شخصاً آخراً كمساعد، يتذمر مُحسن من شراكة عمر لسمير، لكن، في أغلب الأحوال، شرّ ياغو، في الحقيقة، غير مُبرر**، ولا حتى بهذه التبريرات الدنيوية، ويستغل مُحسن "يباسة رأس" عمر كما قد استغلّها عُطيل، فعُمر يرفض رفضاً قاطعاً عرض دينا/ديدمونة مساعدته مادياً، وهو لا يريد أن يُفسّر زواجه بدينا كزواج مصلحة مالية، يرفض هذا رفضاً عصابياً أقرب إلى الهوس أو الحساسية المفرطة، ونستعين باقتباس من كتاب "تجارب شكسبيرية في عالمنا المعاصر" عن سيكولوجية عطيل، "فهو لم يحتمل ولم يستطع أن يغير من منهج تفكيره الجامد." هكذا يبدو لنا أن الصفة التراجيدية - في العرف الشكسبيرية- الحاضرة في كلا من النص، والفيلم، بشخصية عطيل/مُحسن، هي الاصرار، أو العناد، وليس الغيرة.

بعد مشهد التنوير، يُعلن عمر/عطيل/نور الشريف أنها مش غلطته، ولا غلطة مُخلص، بل غلطة الزمن - مُناقضاً للتقليد التراجيدي الشكسبيري، الذي يقع فيه البطل التراجيدي في مأساته الخاصة نتيجة للظروف من حوله، وكذلك لأفعاله-  وبعد ذلك يتأسّف لدينا، ثم يضمها لحضنه، وهي كذلك تبادله الودّ، العجيب أنه ليس ثمة أي عنف يُرتكب ضد مخلص، الشرير الأصلي، في النص الشكسبيري كان عطيل مشغولا بانزال العقاب على نفسه، بالانتحار، وقد تبدلت الأدوار في الفيلم المصري، فترك عمر مُخلص، كي يتصرف مخلص مع نفسه بما يجده مستحقاً، فانتحر الأخير، بالزوق ومن سُكات. وبالنسبة لفيلم مصري، فإن انتهاؤه إلى هذه النتيجة يُعتبر نوعاً ما “متطرف”، فموضوع الانتحار وإنهاء فيلم بانتحار شخصية قد يكون نادراً، وفي حالة مخلص، قد تكون النهاية الأقرب لجو وروح الأفلام المصرية أن يذهب للومان، أو أن يُقتل - لوهلة، في مشهد هجوم الكلب عليه، ظننا أن الكلب سوف يقتله، وقد يؤخذ هذا كتريبيوت لأحد كلاسيكيات السينما المصرية (الشموع السوداء) وغيرها. لكن هذه النهاية قد تُفسّر، بلا شك، كمسحة وتأثير مباشر من النص الشكسبيري الأصلي. حتى المشهد، الذي أوّلناه مثل انتحار، كان انتحاراً على استحياء، فقد رأينا مخلص يمشي إلى البحر، ويصل إلى طرف المياه، ثم أظلمت الشاشة فجأة على كلمة “النهاية”.






* أحمد سخسوخ - تجارب شكسبيرية في عالمنا المعاصر، سلسلة الفنون، مكتبة الأسرة، ٢٠١٠.
** المصدر السابق.

Thursday, January 24, 2013

جانغو طليقاً، أو خصخصة العدالة.

بوستر فيلم تارانتينو الجديد، جانغو طليقاً



رغم أن الطابع العام للقصة يوحي أنها عن "تحرير العبيد"، أو تتبنّى خطاب "العدالة والمساواة والإخاء" الفرنكو-أوروبي، فإنها على العكس تماما، ترسّخ لخطاب السلطة المؤسس للممارسات العرقية المعادية للسود وللمهمشين اجتماعيا بشكل عام. 


جانغو، جايمي فوكس، ضمن طابور العبيد، بينما يتفحّصه د.شولتز

هي قصة عن طبيب ألماني "كينغ شولتز" يأتي إلى ولايات الجنوب الأمريكي، متخليا عن مهنته الأصلية لأجل صيد الجوائز، فهذه تحقق له ثروة أكبر.  يبدأ الفيلم بمشهد طويل لشولتز يعترض فيه طريق أخوين من تجّار العبيد، في الليل، يجرّون ورائهم صفاً من الأفارقة الأمريكان، بعد أن يقتل شولتز أحدهما ويجرح الآخر، "يحرر" جانغو  لغرض، فهذا يعرف شكل ثلاثة من المطلوبين "أحياء أو أموات"، وهؤلاء يطاردهم شولتز.

حبكة الفيلم مباشرة وساذجة، وهنالك عدة أسئلة تثيرها، منها:




جانغو، أو جايمي فوكس، إلى اليمين، كريستوف فالتز (كينغ شولتز) يساراً
١. لماذا "جانغو"؟

لأن جانغو "فعّال" اقتصاديا للسيّد الألماني، الطبيب، المثقف وذي البرستيج الاجتماعي. رغم أن فعل تحريره لم يكن دافعه الفعالية السياسية لجانغو: مثله مثل قومه من الأفارقة قد تعرض جانغو لظلم بشع، لكن منطق الفيلم لا يعمل بهذه الطريقة، ليس ثمة منطق حقوقي "لصعود" جانغو، جانغو لم يصبح بطلاً لأنه قرر أن يقاوم الظلم، بل أصبح كذلك لأنه "فعّال" لنظام أكثر استنارة، أيا كان هذا النظام، النظام السائد والقديم في الجنوب قد أهدر امكانات جانغو العملية، وهذا "رأس مال" مُهدر، الدولة المركزية لم تستطع استغلاله، فيأتي ممثلا لها يعيد النظام إلى الفوضى "الادارية"، لقد صار جانغو ذراعا أمنياً للنظام المركزي في الشمال، إن الجنوب "مغضوب عليه" والشمال "المركزي" لا يرى فائدة في تنمية الهامش الجنوبي، فليُترك كما هو، بلا قانون، لكنه "يُنتج" أفراد مُجرمين يعكرون صفو المركز الشمالي. ولأن أغلبهم أو كلّهم ممّن يسمّيهم الشمال "white trash" ولذا يجب استخدام جانغو، العدو "السياسي" للحثالة البيضاء، لأجل خلق نظام أمني مركزي "أكثر كفاءة" وأقل تكلفة.  إن جانغو يفقد "حريّته" وتميزه إذا لم يعد مفيدا أو فعالا اقتصاديا للمركز. إنه "الزنجي الواحد من بين ألف زنجي" على حدّ قول الاقطاعي كالفِن كاندي، الذي هو فعّال بما فيه الكفاية ليجسّد "بطشا أمنيا" لسلطة الاقطاعيين في الجنوب، الذين يستخدمون قوّتهم لتسيير قانونهم الخاص، مُتحدين بذلك قانون الدولة المركزية. 


٢. لماذا يأتي ألماني إلى الجنوب؟
جانغو منفذا حكم الاعدام، في الأخوين شافِر، بالنيابة عن شولتز

إن الألماني مُهمش بطبيعة الحال في البيئة الأمريكية - بسبب صراع ثقافي بين ثقافته الأوروبية/الجرمانية، وبين الثقافة الأمريكية- وقد ذهب للجنوب متخليا عن مهنته الأساسية، بشكل ما، هذا يتطابق مع النمط الأمريكي عن الصعود وتحقيق النجاح/الثروة. لقد اختار "شولتز" الجنوب لأنه هامشي، بلا قانون، إنه خارج اهتمام المركز الشمالي، ليس ثمة تغلغلا أمنيا في الجنوب، العدالة لا تأخذ مجراها، أفراد النظام الأمني  غير قادرين على تنفيذ أحكام قضائه. إن العمل في الجنوب بالنسبة لذلك الطبيب الألماني هو وسيلة أخرى للإثراء، بما يتيحه مبدأ تكافؤ الفرص، لو ظل يعمل كطبيب لما حقق كل هذه الثروة، هذا النمط المهني قد ينجح في "المركز"، في الشمال، وهذا ما يعيه الطبيب، في مشهد البداية، بعدما يعطي مجموعة السود مفاتيح قيودهم، يخبرهم "ذاك هو نجم الشمال، ولكم الخيار في الذهاب لولاية أكثر استنارة." إن هذا المشهد هو ما أثار تساؤلي: لماذا لا تذهب أنت إلى ولاية أكثر استنارة؟ إن مهنته كطبيب تتطلب وجود دولة ونظام ضمان اجتماعي وقوانين رعاية صحية ـإلى حدٍ ما، كما أنها مهنة خدمية إلى حد كبير - رغم أن الطبيب، بطبيعة الحال، هو رمز من رموز السلطة- إلا أنه كي يمارس عمله فهو بحاجة لوجود الدولة بشكلها الخدمي، لا دولة الحد الأدنى، أو الدولة الحارسة. وهذا هو شكل المؤسسات في الجنوب، عدا الذراع الأمني، فإن الفقر هو السائد، "الحكومة" تتضاءل أمام مُلاك الأراضي والمزارع والاقطاعيين. الذين ينفذون قانونهم الخاص. لأنهم أصحاب رأس المال، وليس الدولة. وكما يقول بوردريار " إن رأس المال لم يرتبط أبدا بعقد مع المجتمع الذي يهمين عليه."

و تارانتينو في الفيلم لا يطرح خطابا مضادا لخطاب رأس المال، بالعكس، ولا يطالب بشكل من أشكال العقد الاجتماعي، بل يقدم لنا "عركة بلطجية" في قمة السذاجة، بين طرفين يقول كل منهما للآخر "هذا نسبي، وهذا حسبي" مشيرين للسلاح والمال.
شكل المقاومة الذي يقترحه - أولا، في شخص كينغ شولتز، ثم في جانغو- لا يكون مستعدا بالكامل "للتفاوض" مع سلطة الاقطاع إلا على أساس رأس المال. ورأس المال الذي يراكمه شولتز وجانغو إنما يأتي من حالة "غياب الدولة" مثل أي شكل من أشكال الليبرتانيانِزم، فعملية صيد الجوائز تصبح "فعّالة" وأقل كلفة للحكومة المركزية، من تدخلها المباشر لفرض القانون ومطاردة المجرمين، وهي كذلك تصبح مصدر للاثراء السريع لصيادي الجوائز بسبب غياب الدولة الكامل وافساحها المجال "اقتصادياً" لهؤلاء للتكسّب من هذه المهنة. فما يحدث، يمكن وصفه بمصطلح طريف هو "خصخصة العدالة"!



٣.  لماذا يخفق الفيلم في تقديم رسالته "الحقوقية" ؟

حوار حضاري مستنير بين شولتز وبرومهيلدا


أول الأسباب هو تمجيده للبطرياركية، إن جانغو ليس إلا قصة "فيجيلانتي" أو "بطل خارق" مثل "العسس" أو باتمان، أو غيرهم. بل حتى محاولة تارنتينو لصنع بطل شعبي منه تفشل فشلا ذريعاً، إن قصة بطولة جانغو لا تنبع مباشرة من أصالة التجربة السوداء أو المعاناة أو الفقر أو بيئة الجنوب الأمريكي الشرس، فهي لا تعدو قصة "دامزِل إن دسترس" أو قصة تحرير الأميرة الحبيسة، وهذه الأميرة هي زوجة جانغو "برومهيلدا" التي يحتفظ بها كالفِن كاندي. اقطاعي ومالك لثالث أكبر مزرعة قطن في ولاية الميسيسبي. وشولتز وجانغو لا يذهبان إلا بممارسة الحيلة ومنطق "رأس المال" لأجل تحرير برومهيلدا. وسوف أتغاضى عن السقطات المنطقية في الحبكة وسوف أكتفي بالاشارة للسقطات الحقوقية، لا يثار اهتمام البطريارك الألماني المستنير - شولتز- لشأن جانغو وزوجته إلا حين يعرف باسمها الجرماني، ففي الأسطورة الجرمانية، برومهيلدا هي أميرة حبسها أبيها على قمة جبل وجعل تنينا يحرسها. ولا تتحرر إلا حين يأتي إليها "البطل" الجرماني سيغفريد. هذه قصة يحكيها السيد الجرماني الرومانتيكي إلى الزنجي جانغو حول النيران في الليل، وكلاهما تشتعل فيه نزعات بطرياركية رومانتيكية، وفي حين كان تحرير برومهيلدا "السوداء" هو غرض جانغو منذ القدم. فإن هذا يصير هدفا "سامياً" في نفس شولتز، مثيرا لديه نزعات "الرومانتيكية الجرمانية"، برومهيلدا وتحريرها لا يداعب فقط نزعات "عبء الرجل الأبيض" لدى الألماني، وكذلك قناعته بأن النساء السوداوات -الملونات، بحد تعبير غاياتري سبيفاك- بحاجة لرجل أبيض يحررهن. بل أن برومهيلدا "فعّالة" اقتصاديا- مثلها مثل جانغو- بالنسبة للألماني، وتمثل رأس مالاً ثقافياً لديه لأنها تجيد لغته الألمانية! ولكن الأخطر من ذلك كله أن جانغو لا يصير بطلاً شعبيا، أو لا يصير بطلا على الاطلاق إلا حين يعيد انتاج خرافات الغرب الأبيض/الأوروبي الاستعماري، وأساطيره، وسردياته الكبرى. جانغو يحصل على مباركة الجرماني الأبيض لأنه سوف "يلعب" دور سيغفريد  (البطل الأبيض) في خرافة أوروبية!


٤. الكوكلوكس كلان كانت نُكتة؟ 
معالجة مُحبطة وسطحية للكوكلوكس-كلان

كما أن الفيلم يسفّه الجنوب، ويسفه التنظيمات الارهابية التي أنتجها، مثل الكوكلوكس كلان، ويسفه مسألة استهدافها للزنوج أو المهمشين اجتماعيا، وقد حوّلها إلى مشهد "كوميدي" لمجموعة من الجنوبيين الفلاحين البلهاء، الذين بتحريض من مالك المزرعة الذين يعملون فيها، يذهبون بنيّة قتل جانغو، وهذا يشترك في قتلهم بمساعدة شولتز. المشهد تافه وبه حوار طويل يُبرز هؤلاء الجنوبيين كمجموعة من الحمقى، يرتدون أقنعة لا يدرون سبب ارتدائهم لها (رغم الغرض الرمزي القوي لأقنعة الكوكلوكس كلان البيضاء)، لقد اكتفى المخرج بالسخرية من هذه الأقنعة دون معالجة أكثر عمقاً للمعنى الديني أو الطقوسي أو الرمزي. وكأن هذه الجماعة كانت نتيجة "هلوسة" ليلية جماعية أو مُجرد طفح أدرينالين لمجموعة من المراهقين، متجاهلاً الأسس العرقية، والثقافية، والسياسية والتاريخية والدينية. ما يثير التساؤل لماذا ضيّع تارانتينو على نفسه هذه الفرصة الدرامية؟ هل تقديم مشهد درامي مُحترم بحجم "الكوكلوكس كلان" ودورهم في الجنوب وفي السياسة الأمريكية "كيتش" سينمائي مثلاً؟

٥. لماذا برومهيلدا؟

كانت ثمة نساء أخريات لدى السيد الاقطاعي كالفن كاندي، بغض النظر عن تمثال نفرتيتي - يماثل ذلك الموجود في متحف برلين- القابع في مدخل منزله، ثمة امرأة سوداء اسمها "شيبا"، لكن على أية حال، السيد شولتز رجل ألماني مستنير، والاجابة عن سؤال "لماذا برومهيلدا؟" يجري في نفس سياق الاجابة عن سؤال غايتري سبيفاك، "هل يستطيع التابع أن يتكلم؟" وبينما يتكلم جانغو الحرّ بلغة السلاح، وهي لغة البطريارك/المستعمر، وهي اللغة التي علّمه اياها شولتز، فإن "برومهيلدا" كذلك تتحدث بلغة البطريارك، لذلك هي أهم من النساء الملونات الأخريات أو "ذات قيمة" أكبر! في كلتا الحالتين، جانغو وبرومهيلدا، لا يتحرر التابع، بمنطق سبيفاك، لا يمتلك دفة الحديث عن نفسه، بلغته، لأنه يستخدم "لوغوس" المركز/الاستعماري/البطريارك. لكن ما الدليل على أن كليهما لم يتحرر؟ حسنا، بالنسبة لبرومهيلدا فإن تحررها يبدأ أولا بتحررها من وصاية البطريارك، فهي لا تحتاج لانقاذ جانغو، أو انقاذ شولتز، بل تحتاج لخطاب مضاد لكل هذه الوصاية.


٦.  هل صار جانغو ندّاً؟
مسيو كاندي، أو ليوناردو ديكابريو على اليمين، يهدد شولتز بحياة برومهيلدا

كلا. لقد خلق تارنتينو مشهداً ساذجا للندية، بين الرومانتيكية الجرمانية والجلافة الأمريكية الجنوبية. قبل الحوار الأخير بين شولتز وكاندي. كان ثمة مشهدا درامياً: فبعد أن تفشل خطة شولتز وجانغو في خداع كاندي/اغراؤه بالمال، لأجل صفقة شراء عبد "مصارع" مزيفة، وسلب كاندي مالهما منهما. مقابل تحرير برومهيلدا. يجلس شولتز "مهزوما"، فرقيّه الأوروبي ومركزه العلمي/الثقافي، وذكاؤه وحيلته ودهاؤه قد فشلوا جميعا أمام همجية كاندي المباشرة. يجلس شولتز مكروباً بينما تعزف امرأة لحن Ode to joy لبيتهوفن، ينهض ذلك ويصرخ فيها أن تكفّ عن "عزف بيتهوفن"، كأنه فعل من أفعال "الشجب والتنديد" بشكل كاريكاتوري للغاية. أو كأن عزف بيتهوفن في "بيت كاندي" يعدّ عملاً نشاز ثقافياً.
في الحوار الأخير بين شولتز وكاندي، يعيد الأول جلب سيرة "دارتانيان" الزنجي الذي رماه كاندي للكلاب، ويسأل كاندي إن كان يعرف أنه شخصية في رواية دوما "الفرنسان الثلاثة"، كاندي يدّعي الفرنكفونية لكنه "جنوبي جاهل" من أجلاف حُمر الرقاب، كما يصوره الفيلم، بعد التساؤل عمّا اذا كان هذا الفعل سوف يرضي آلكسندر دوما. يخبره شولتز أن "دوما" كان زنجياً. وبينما يغادر الثلاثة، جانغو وشولتز وبرومهيلدا، يبتز كاندي شولتز ويجبره أن يصافحه، شولتز الجرماني، السيد الأبيض، الأوروبي المستنير، هو من يقتل كاندي. لا جانغو. إن دور جانغو في هذه القصة هو في التخلص من العمالة الزائدة، الرخوة، غير الكفء. الفاسدة، المسببة للشغب، إن لم يكونوا من الحثالة البيضاء، فهم كذلك من الزنوج الذين ينتحلون نموذج العم توم. إن جانغو يترقّى اجتماعيا وسلطويا لكن "بحدود"، وهو لا يجتاز هذه الحدود، ولا يقتص من "الرجل الكبير" أو السيد الأبيض المُحترم، بل إن هذا يجب أن يقتص منه سيد أبيض آخر "أكثر تحضرا" منه، بطبيعة الحال، هذا هو عبء الرجل الأبيض الأوروبي، شولتز.

٧. هل ستيفن هو العم توم، حقاَ؟

تجري شيطنة ستيفن/صامويل إل.جاسكون بجعله يمثل كل ظلامية وجهل الجنوب، كأنه هو السبب الأول والأخير للعنصرية وليس اقطاعيين مثل كاندي


 صحيح أنه نموذج بغيض، وقد تعاطف المشاهدون مع جانغو حين عاد ليقتص من "ستيفن" العجوز، رئيس الخدم في منزل كاندي، فهو من حرّض "سيده" كاندي على شولتز وجانغو. لكن، رغم هذا، ستيفن نفسه ضحية أسوأ حالاً بكثير من جانغو، وليس في الأمر مجالا للمزايدة، لكن ستيفن عجوز، وبحسب منطق الفيلم، كان جانغو في معركته الأخيرة يمثل قوة "تنظيف" لكل "الحثالة" في النظام الذين يعرقلونه والذين يهدرون موارده الثمينة، ستيفن صار عجوزا غير نافعاً "صلب الرأس" تقليدي وجاهل ومتأخر. فهو أكثر من ضحك على نكتة كاندي حين قال أنه لا يستطيع أن يحتمل المكوث أكثر من يومين في بوسطن، صحيح أن ستيفن مهمش لكنه الوجه القبيح للجنوب المهمش مثير المشاكل، إنه مبالغ في خنوعه ومقاومته "للحراك" الاجتماعي، إنه معاد "للنظام الجديد الشجاع" وللطموح الرأسمالي والطبقي. هو والحثالة البيضاء يجب تصفيتهم لأنهم غير فعالين لا سياسيا ولا اقتصادياً، وغير مفيدين "للمركز" الشمالي. وولاءهم يكون للاقطاع الجنوبي فحسب.

٨. ما هذا الهراء؟ 

وهو السؤال الذي ينتاب المرء في نهاية الفيلم، فمشهد حرق منزل كاندي ثم تفجيره ثم هذه الحركات السخيفة التي تقوم بها برومهيلدا مستقبلة جانغو  البطل بعد "غزوته" كأنما سوف تهتف له "يا سبعي!"، لكن الاعتراض الأقوى كان على الهراء المنطقي في الفيلم، وخلاصته أن "الجنوب دا فيه ناس وحشين التنين" رغم أنه مظلوم بشكل أو بآخر، معرض للتهميش والتجاهل من الحكومة المركزية، التي أخلت كل مسؤولية تجاهه.

Wednesday, September 5, 2012

العاطفة والسلاح




يعطي هذا الاقتباس فكرة عن سوق العمل - العالمية- هذه الأيام، يفترضُ -بناء على دراسة مزعومة لـ"نفساني" اسمه والتر ميشِل، أن "عدد الثواني" التي يستغرقها طفل في الرابعة لمقاومة حلوى المارشمِللو، هي مقياس "موثوق" لمدى تفوّقه الآكاديمي والعملي في حياته المستقبلية. حسناً، أنا لا أتحدث بشكل خاص عن بجاحة استخدام كلمة "موثوق" إنما ما يروّج- في فضاءات الثقافة الشعبية- من خرافات تتعلق بسوق العمل/أو الدراسة، ومواصفات/مقاييس النجاح الإنساني. التي لم تعد إنسانية أبداً. 

يعتمد الاقتباس- سواء كانت دراسة حقيقية أم لا- على تحيّزات موجودة سلفاً في ذهن المتلقّي: منها احتقار ما يمكن تسميته بالـ"ضعف الانساني" أو كل ما يجعل المرء انساناً، بتعبير آخر، ومنه ما يتوقع من أي طفل في الرابعة لن يقاوم اغواء الحلوى، ولكي يُعطي انطباع وهمي بالوسطية وعدم المبالغة فهو يدّعي أنه مُجرد "مقياس/إندكس" يعتمد أساليب "علمية/رياضية/دقيقة" مثل "عدد الثواني". لكنه سيان، السؤال: مُذ متى كانت مقاييس النجاح العملي والدراسي بهذه "اللا-آدمية"؟  يفترض وجود "كائن" منيع على "الضعف الإنساني" يستطيع مقاومة الحلوى. 

اذن، الاستنتاج أن عدم تمكّن الفرد من الحصول على تعليم جيد/شهادة راقية/وظيفة جيدة هو خطأه بالكامل، بل أن الاقتباس يفترض نتائج أكثر ميتافيزيقية حين يُلغي كلياً عامل العنف المنزلي/البيئة/الظروف/الحالة الاقتصادية/الظلم الاجتماعي، ويُرجع أسباب الفشل إلى مصدر مجهول، غامض، فوق-واقعي، فلا أحد يعرف بدقة لماذا قد يقاوم طفلٌ المارشميللو ولا يقاومه آخر. خاصة أن السنّ المقترح صغير جداً على تكوين الشخصية -أربعة سنوات، أقل من اقتراح فرويد: خمسة سنوات- اذن هو لوم الضحية من جديد، لكن ما علاقة هذا بسياسات سوق العمل الحالية؟

نتيجة لتسيّد مبدأ الربح، الربح للربح، تقليل التكلفة - لدرجة أنه، قطاعات مؤسسية كاملة المفترض والمتوقع منها أن تهتم بالعامل البشري، تضمن ظروفا آدمية له، وتحرص على حقوقه داخل المُنشأة الرأسمالية - وأعني قطاع "الموارد البشرية"، بغض النظر عن أدبيات تنمية الموارد البشرية المعاصرة فإن دور هذا القطاع في أية شركة "خاصة" هو "تقليل التكلفة"، بينما يصبح دور بقية القطاعات "تعظيم الربح". إن قطاع الموارد البشرية الناجح - بحد تصوّر هؤلاء- هو الذي يؤدي عمليات Downsizing ناجحة، وذلك باقناع العاملين أن كثرتهم "تقلل الأرباح"، أي تؤدي لفشل الشركة عملياً. إنهم "غير مُنتجين"، مُهدرين للوقت والجهد والمال. خرافات الموارد البشرية (وتنميتها) لها أصلٌ متمثل في عمليات احلال الآلة محلّ الإنسان في المصنع. المفترض اذن أن العامل البشري - في الأصل - غير كفء. وبحاجة لتنمية، قطاعات الموارد البشرية هي المسؤولة عن لقاءات التوظيف وهي بالطبع المسؤولة (أو الحارس والحامي) لأفكار "التخصص وتقسيم العمل" لماكس فيبر واعادة تأكيد مبادئ الادارة العلمية.

وهذه الأفكار تنتمي للقرن العشرين، قبلها، في كتاب "الآيديولوجيا الألمانية"، اقترح كل من انغلز وماركس وجود طبقة تمتلك وسائل الانتاج المادية، وهذا يعني بطبيعة الحال امتلاكها لكل النتاج الفكري لمجتمع ما، كان هذا في القرن التاسع عشر وما قبله: وثمة طبقتين، طبقة مالكة وأخرى عاملة، في القرن العشرين -قرن الطبقة الوسطى- وأفكار ماركس وانغلز لا تزال وجيهة، بشكل خاص: "حين يكون هنالك فريقان من الأفراد داخل هذه الطبقة نفسها - أي الطبقة المالكة- إن فئة منهم ستضم مفكري هذه الطبقة، الآيديولوجيين الفعالين، القادرين على الارتفاع إلى مستوى النظرية، الذين يكسبون أود حياتهم الرئيسي من انشاء الوهم الذي تكونه هذه الطبقة عن نفسها، في حين أن الآخرين سيكون لهم موقف أكثر سلبية، موقف التلقي لهذه الأفكار وهذه الأوهام، لأنهم فعلا الأعضاء الفعالون في هذه الطبقة، وليس لديهم متسع من الوقت ليكونوا أوهاماً وأفكارا عن أشخاصهم."

قد تُفسّر هذه الفقرة كونها تقصد "الطبقة الوسطى" بتلك الفئة "السلبية فكرياً" والفعالة من الناحية العملية، لكن الملاحظات من الميول اللا-آدمية لسوق العمل الحالية أنها تروّج لخرافات عن وجود أفراد - ليس شرطا انتماءهم لطبقة معينة- بفعالية وكفاءة تامة، ليست الفكرة مُجرّد أن تحل الآلة محلّ الإنسان في المصنع، الإنسان غير الكفء، العامل مثير الشغب، كثير الانجاب، الهمجي، المهمش، المهاجر (immigrant)، العاجز فكرياً، الخ: إن الآلة اذن هي الذكاء الغبي -بحد تعبير جان بودريار- هي لم تصل بعد لمستوى الأفراد الذين يصفهم اقتباس ماركس وانغلز "الآيديولوجيين الفعالين"، بل أن الآلة في الواقع سوف تكون - أو صارت- العضو الفعّال في الطبقة المالكة، التي "تتلقى الأوهام" وتنفّذ.

العاطفة

نزع الآدمية عن الانسان العامل- لجعله أكثر كفاءة - يمهّد لهذه النتيجة ولو نظرياً (وفنيّاً)، في عصر الثورات فإن الطبقة العاملة هي التهديد وهي العدو، وهي الفوضى وهي نهاية الحضارة، وهذا ما توافق عليه هوليوود في أكثر أفلام الخيال العلمي ذيوعاً: أفلام الخيال العلمي التي تتخيل نهاية الحضارة الغربية -أو مرحلة مستقبلية متقدمة للغاية منها، مثل Terminator بأجزاءه، والماتركس، و District 9 و بروميثويس وغيرها، لا يعود ثمة تقسيم طبقي تقليدي: تختفي الطبقة العاملة، ويحلّ محلها -كأفراد عاملين/فعّالين، منفذين، خدميين: آلات من الذكاء الاصطناعي، إنها الطبقة "السلبية آيديولوجياً" بحسب اقتباس ماركس وانغلز، والتي تُقدّم حلاً نهائيا ومريحاً "لمشكلة" الطبقة العاملة، أخصّ بالذكر شخصية ديفيد من فيلم ريدلي سكُت الأخير، بروميثيوس، مذ ظهر الروبوت ديفيد على الشاشة كان يؤدي أعمالا متدنية- التي قد يقوم بها "الخدم" في منزل برجوازي تقليدي- لكنه في الوقت ذاته "يعلّم" نفسه ذاتياً، يتشرّب ويتشبع -يسجّل، من حيث كون الآلة كذلك ذاكرة ذات سعة تخزين مهولة- أفكار الطبقة العليا: التاريخ، اللغات، الموسيقى، الفنون، الأفلام - فيلم لورنس العرب بشكل خاص، ولا ندري لماذا اختير  لورنس العرب، إلا أنه شكل بدائي ومباشر للعلاقة "المثالية" في نظر الامبريالي، بينه وبين أهل المستعمرات -الأدنى منه "حضاريا" أو فكريا- المسألة أن ديفيد الإنسان الآلي يشاهد الفيلم، ويتأثر بشخصية لورنس و يحاول محاكاتها جسدياً، كمحاولة مؤكدة لمحاكاة و "حفظ" المبادئ الثقافية/الفكرية "للطبقة العليا"، الطبقة التي "صنعت" ديفيد. منذ ظهور ديفيد وهنالك تلميحات درامية "لإنسانيته"، صحيح أنه بلا مشاعر، إلا أن لديه "اهتمام" غريب بإليزابِث شو، المستكشفة والعالِمة التي كانت ضمن طاقم المركبة الفضائية "بروميثيوس"، إن إليزابِث تنتمي للطبقة العليا، طبقى أعلى من ديفيد الروبوت، إن ما يفرق بينهما أنها، إليزابث "فعّالة آيديولوجياً"، هي "مؤمنة" بأفكارها عن أصل الإنسان والحضارات - وكذلك مركزية الإنسان الغربي- إن ما تبدو رحلة فضائية استكشافية بريئة هي في الواقع محاكاة للارساليات الكولونيالية، خاصة مع تماثل "ايمان" إليزابِث وحبيبها/زميلها  بالإيمان "بأرض الميعاد" و"أقاليم العهد القديم" بحسب التعبير الانجيلي -في الفيلم، والد إليزابِث كان كاهناً في ارسالية - و ديفيد إنما - بوصفه العضو السلبي آيديولوجياً والفعّال عملياً- يحاكي الكولونيالي (لورنس العرب).

 حبيب إليزابِث - البشري- في الفيلم لا يتمتع بنفس "قوة إيمانها"، إلى جانب كونه شكوكي فهو "غير كفء"، في مشهد موحٍ كان فيه يعاقر الخمر، يتودد إليه ديفيد ويدس في كأسه الجرثومة التي سوف تقتله فيما بعد. في نهاية الفيلم، لا يبقى من أعضاء البعثة الفضائية إلا إليزابِث - التي رغم تعرّضها لامتحان لايمانها، لا تزال مُصرّة على تقصّي واكتشاف هذا الإيمان- و ديفيد الآلي، لقد تم تصفية كل البشر -غير الأكفّاء، سواء آيديولوجياً أو عملياً- على المركبة، ولم يبق إلا العضوين الأكثر تطرّفاً. ويشكّل إليزابِث و ديفيد "ثنائياً" ناجحاً، فهي الآيديولوجيا، وهو "التقنية": هو الوحيد الذي يُجيد التكنولوجيا اللازمة لاستكمال بعثتهما. صحيح أنه في فيلم سكُت ليس واضحاً كلياً كون "ديفيد" الآلة، في الواقع، أداة قتل شديدة الكفاءة، تماماً مثل طائرات درون. وأظن أن المُخرج تجنّب هذا المنحى الدرامي لأنه عولج في فيلم الترمينيتُر.



السلاح

 في ترمينيتُر - خاصة الجزء الثاني- تظهر الآلة التي كانت تحاول قتل سارة كونُر - والدة زعيم المقاومة المستقبلية ضد الآلات- وقد أصبحت في صفّ سارة وابنها. إنها نتيجة طبيعية، حين صارت الطبقة الحاكمة هي صاحبة الآيديولوجيا، ممثلة في زعيمها جون كونُر، بينما يصبح الترمينيتُر العضو السلبي آيديولوجياً الفعّال عملياً، هنالك تراتبية ملتبسة، فعملية اعادة برمجة الترمينتُر وارساله للماضي/الحاضر -رغم كونها نظرياً في المستقبل- صارت حدثا "سابقا" على أحداث الفيلم ذاتها:  سارة كونر وابنها، والمطاردات، والقتل. بينما صارت كونُر والابن هي المستقبل الذي يجب حمايته، مستقبل البشر - أو الحضارة الغربية، بشكل خاص- على لسانه في الفيلم، حين يسأله الطفل كونُر لماذا عليه أن يقتل أي شخص في طريقه، يجيب الآلة أن هذا مُبرر لأنه آداة "قتل/Terminator" بالمعنى الحرفي. بغض النظر عن تمجيد العنف في الفيلم وتصويره على أنه الشيء الوجيه الوحيد الذي يجب على طفل في الحادية عشر من عمره أن يتعلمه -في مشهد، يسخر جون كونُر الطفل من زملاءه من الصبية الذين لا يلعبون إلا النينتِندو (قد تُفسّر سخرية الطفل المُبالغ فيها كذلك كازدراء لكل ما هو غير أمريكي)- في نفس المشهد الذي يكتشف فيه مع الترمينيتُر كنزاً من السلاح - أعدّته سارة- بينما يتبادلان الابتسام والرضا. فيما بعد، تتأمل سارة ابنها و الترمينتُر وهم معاً متفاهمين، وتفكّر في أن الآلة هو البديل المثالي - الكفء- للأب أو الرجل في الأسرة، فهو لا يسكر ولا يضرب الطفل ولا يؤذيه وسوف يظل معه للأبد. (سوف يظل آلة القتل الخاصة به، طبعاً)، أجواء الفيلم تعكس تطرّفاً آيديولوجياً - حتى لو كان بلا معالم- فآيديولوجيا سارة كونُر واضحة: ابنها، جون كونُر، "أولوية"، ليس لأنه ابنها، بل لأنه زعيم المقاومة المستقبلية، الحب بين الأم والابن باهت وهامشي. واهتمام الأم بابنها ليس بسبب كلاسيكية العلاقة بين الأم والابن -في مشهد تلوم فيه سارة ابنها لأنه أتى لانقاذها وتخليصها من سجنها، وتخبره أنه لا أهمية لها حتى وهي أمّه، بينما له هو كل الأهمية لأنه "الزعيم"-  هذا يعني أن كثيرا من الأبرياء سقطوا قتلى -ضحايا- معارك بين طرفين فوق-واقعيين، خياليين كلية! الترمينتُر الخاص بكونُر، والآلة الأخرى - شرير الفيلم- الذي بعثته التقنية المتمرّدة. فكما أن بطل الفيلم الآلي هو خير مُتخيّل/خرافي، وغير آدمي، فإن الشرّ كذلك خرافي (غير آدمي). المهم أن شخص واحد - يمثّل، في الواقع، فكرة- هو الأولوية المُطلقة، ولا بأس ولا ضرر إن قُتل أو تأذّى كل ما عداه.
 يبلغ الفيلم منعطفا مخيفا حين يجلب مشهد كادت فيه سارة كونُر أن تقتل الرجل الذي اخترع التقنية المؤدية فيما بعد لأن تسود الآلات - وهو، أمريكي-أفريقي!- إن مشهد تعرّض رجل أسود للعنف، الأذى، الاصابة، والقتل، يُبرَّر على الشاشة، بمنطق الأولويات الذي يسوقه الفيلم. الآلة/الترمينتُر تُحافظ علي الأولويات الآيديولوجية ويكون دورها هو حمايتها دون تسامح، كما أنه يمثّل آلة حفظ/Hard Drive للحضارة الغربية، في مشهد تُعاد برمجته ليصبح أكثر استيعاباً لما يُمليه عليه الطفل كونُر من مبادئ ثقافية.



الوحش

فيلم ترمينيتُر -وغيره-  يقدم تخيّلاً مباشراً لهذا الشكل الطبقي المُفترض، حين صارت الآلات تمثّل الطبقة العاملة/العدو، التهديد الموجه للحضارة الغربية، إن التقنية، في أصلها، هي الجزء المادي/العملي من الجهد الإنساني، وهي شكل من أشكال الأنشطة الحِرفية التي احتقرها منظّرو الفلسفة الغربية في بداياتها الاغريقية، بطبيعة الحال: التقنية تثير الريبة، تُهدد الشقّ الفكري من الحضارة الغربية، صحيح أنها حالياً هي الجانب الكفء/الفعّال/المُدرّ للربح/والمقلل للتكلفة إلى أقصى حدّ، والذي يُروّج بوصفه المثال والنموذج للنجاح العملي: المفترض أن يقاوم الانسان نزعاته "الانسانية" مثل العواطف، الشوق لأكل الحلوى، إن هذا يجرّده ويجعله أكثر "أماناً" على مبادئ السيادة التي تسوقها الطبقة المالكة لوسائل الانتاج الفكري والمادي، ويجعله أكثر نفعاً فهو لا يكلّفها، ولا يخطئ في تخصصه العملي. لكن الآلات - والأشكال الآلية من العمّال والعتبة الهشة بين الآلة-والإنسان- تُسبب ذعراً داخل الخطاب الرسمي للمركزية الغربية، يكاد يُماثل الذعر من الهامش/العمالة المهاجرة قليلة الأجر/المخلوقات الفضائية القبيحة (كما يقدمّها فيلم District 9 ) إنها الكائنات التي تصنع التقنية/الأدوات، وتجيد استخدامها/لها دورها الحِرَفي، بل لا أحد -من الفعّالين آيديولوجياً-  يجيد التقنية غيرها (في مشهد موح، رجل عصابة يرغب في التحول لمخلوق فضائي خصيصا كي يتمكن من استخدام أسلحتهم).
 إن اعادة انتاج ومعالجة هذه الثيمات التي تصوّر آلات ثائرة على الحضارة الغربية أو مخلوقات فضائية شديدة البشاعة والتوحّش لكن تتمتع بذكاء تقني مُخيف - وربما هكذا كان يتصوّر آرسطو تفوّق المصريين القدماء في التشييد- يعكس ذعر المركز الغربي من طبقة جديدة هامشية هو من صَنَعَهَا، روّج لها بخرافاته، وبارَكَهَا.


Saturday, May 12, 2012

مرايا الوحش: ديزني تعادي الثورات -٢



٢. سياسات [المركز ضد الهامش]


تقول بِل في فيلم الجميلة والوحش، "أريد ما هو أكثر من هذه الحياة  الريفية"، وقد ترجمت كلمة provincial  الانكليزية لـ"ريفي"، لكن ما يدعو للتساؤل، لماذا اختيرت كلمة بروفينشال وليس رورال أو تراديشنوال أو أي مما يشير للمعنى. خاصة لأجل السياق "غير-السياسي" كما هو مفترض لكل أفلام ديزني، كلمة بروفينشال ذاتها تحمل تبطينا سياسيا، لأن المعنى الحرفي هو "اقليمي"، والاقليم هو كل ما يقع تحت ادارة حكومة مركزية في عاصمة ما، لكنه بعيد جغرافيا عن العاصمة. أصل الاستخدام بالطبع يعود لعصر الامبراطورية الرومانية، هنالك مقاطعة اسمها Provence موجودة بفرنسا، وتعود تسميتها إلى الغزاة الرومان، صحيح أن القضية الاقليمية عموما كانت صداعا متكررا لروما بكل ثورات الشعوب في المقاطعات- خارج روما (مصر، مثلا)، لكن هنالك اتفاق على أن بروفنس الفرنسية هي أهم مقاطعة رومانية في بلاد ما وراء الألب. 

في أغنية بِلْ هجاء واضح للحياة في "بلاد الهامش"، مما يعيدنا للتساؤل، إن كانت مشكلة بِلْ الحقيقية كونها لا تعيش "في المركز"، وليس لأنها تعيش في مكان ريفي، أهله بسطاء لا يهتمون "بالكتب" أو المعرفة. وها هي بِلْ تعدد لنا مساوئ الحياة في الأقاليم السياسية -من وجهة نظر أي مواطن روماني- من بينها بطبيعة الحال أن ليس ثمة أي اهتمام بالمعرفة أو الثقافة النخبوية. 


الفيلم يمزج بين الرؤية الرومانية لسكان الأقاليم، وبين العداء للثورات، بشكل بارع وممتاز يحوّل مشهد تاريخي "مجيد" كاقتحام الباستيل فيساويه بمشهد ظلامي كـ"نهب روما" عام ٤١٠ ميلادية على يد جُند القوط الغربيين بقيادة آلاريك، لو تراجعنا قليلا لتأمّل قصة الفيلم من بعيد: الوحش يسجن والد بِلْ لأنه دخل قلعته يطلب مأوى -دون اذن "السيّد". (ياله من تقدير أمريكي أصيل لحقوق الملكية الخاصة) ثم تدخلت بِلْ -مثل أي قديسة تقليدية- لاطلاق سراح أبيها مقابل أن تُسجن هي في القلعة. بِلْ تفلح في مغادرة القلعة بعد حين لتعود إلى "قريتها البروفنشال" كي تطمئن على أبيها الذي يعيش وحيداً. أهل القرية يعرفون "بوجود" الوحش، وليس ثمة ما يعيب عليهم رد فعلهم العنيف تجاهه، الوحش سجن شخصين دون وجه حق. "وقد يكون هنالك أسرى آخرين داخل القلعة". [فقد شغلتنا الدراما طوال الفيلم بتفاصيل رومانسية رقيقة بين الوحش و بِلْ، ثم محى تماما التأثير الظلامي للقلعة (البرج القوطي الذي يحوى المعتقلات) بمشهد المكتبة وتأثيراته الخلابة: الوحش يزيل الستائر ليدخل نور الشمس، ويكشف عن حجرة شاسعة بسقف شديد العلو، وديكور يشبه ديكورات قصور عائلة البوربون.]


يذهب أهل القرية لاقتحام قلعة الوحش في حشد يذكرنا بحشد "الديماغوج" لاقتحام الباستيل، و التاريخ لا يغفل الطبيعة "البروفينشال" لهذا الحشد العظيم، والنشيد الوطني الفرنسي الحالي ما غنّاه أهل اقليم مارسيليا الذين توجهوا للمركز/باريس، لمؤازرة الثورة ضد الحكومة المركزية. و اقليم مارسليا -تاريخيا- تنطبق عليه كل مساوئ الأقاليم و"ازعاجها" للحكومات المركزية، سواء كانت حكومة روما أو حكومة باريس، إنه اقليم دائم الثورة. [و قد تم ضمّه لاقليم بروفنس.]

قصة الفيلم التي عرضتها مذ قليل، منزوعة العنصر الميتافيزيقي، أى العنصر غير المرئي وغير المُهم "تاريخيا"، المفيد فقط للدراما الميتا-تاريخية، هذا العنصر يحوي أشياء من قبيل الحُب الذي يكسر تعويذة تعسفية تُلقيها ساحرة علي أمير جميل لأسباب غير مبررة [كعجرفته..إن عجرفته في الفيلم بسيطة الأثر مثل عجرفة مقولة ماري انطوانيت "فليأكلوا البسكويت"]، فتحوله لوحش منفر، وتحول قصره المنيف إلى قلعة موحشة. في هذه الحكاية الميتا-فيزيقية لا يُغفل خطاب العصر الذهبي الذي وَلّى. من الواضح أن قصر الأمير كان "المركز" في عصره الذهبي، وحين مُحي مجده لم يعد ينتبه أحد لكونه المركز. قصة الفيلم/حكاية بطولة بِلْ ليست بشكل خاص عن الحب الذي ينتصر على كل شيء، لكنها قصة "شطارة" فردانية، بِلْ الفرد تتفوق وتترقّى طبقياً بسبب فوزها في لعبة "جِد المركز الخفي"، وكما توحي أغنية بل في بداية الفيلم، فقد وجدت بِلْ ما هو أكثر من هذه الحياة الهامشية، لقد حُلّت عقدة حياة بل حين وجدت قلعة الوحش. الحب لم ينتصر بل الوحش هو الذي انتصر على أهل المقاطعة الريفية لأن بِلْ في صفه [وقد نترك ميتافور بِلْ للقارئ رائق المزاج، رغم أن الميتافور هذه المرة غير مُهم.] إنها ليست حكاية حب بل حكاية سياسية، لقد نشأ تصالح بين بِلْ والوحش حين سمح لها بالخروج من السجن الوضيع لتسكن احدى الغرف الفاخرة، وتتناول معه عشاء فاخرا على المائدة، ويسهر خدمه على راحتها. وهذا التصالح أصله أن الوحش يريدها أن "تحبّه" كي تكسر التعويذة وتعود إليه مكانته السلطوية كمركز ثقافي، بينما لم يك ليتصرف بهذا اللطف مع سجنائه الآخرين (أبيها، مثلا).  والقصة تتمحور حول بِلْ التي تعيد القصر إلى مركزيته، حين يصرح خدم الأمير أكثر من مرة أنهم سعداء بأن لديهم "ضيف" أخيرا أو شخص يخدمونه، وبحد تعبير لوميير "الخادم ليس منه نفع دون سيد يخدمه."، إن بلِ تتميز عن سكان المقاطعات الآخرين لأنها تستطيع تقدير المركزية الثقافية للقصر، وسلطته القادمة من المعرفة [كما قد ينظّر ميشل فوكو]، المتمثلة في "أكبر مكتبة رأيتها"- كما تصف بِلْ "هدية" الوحش لها تعبيرا عن حبّه. [وكذلك، الموسيقى التي تصاحب عشاء بِلْ الأول.]

بِلْ كذلك تتفهّم السحر الذي يسكن القلعة، بينما ليس ثمة وجود للسحر في البروفنس. الوحش يُحسن استخدام السحر [المرآة المسحورة التي تُظهر له الخفايا- مثل أي دولة بوليسية- بل أن المرآة تُستخدم طوال الوقت كأداة درامية لاظهار خيريّته، كما قد يكون الباترون/الراعي/السيد خيّراً لرعاياه] حين يشاهد بِلْ تبكي في حجرتها فيحنّ قلبه لها، وحين يجعلها تشاهد حال أبيها وهو يعيش وحده. لكن الغوغاء يسيئون استخدام السحر، وحين تعود بِلْ إلى القرية، وتُظهر الوحش في هذه المرآة كي تثبت لهم أن أبيها ليس مجنونا فلا يأخذونه في مأوى المجانين. ينزع غاستون المرآة ويستخدمها لتحريض الناس ضد الوحش، ما يؤدي في النهاية إلى حدث "اقتحام" القلعة. هكذا تُتسخدم المرآة، بالمقابل، كأداة درامية لاظهار شرّ أهل الأقاليم وخسّتهم الأخلاقية.

في الفيلم محاولة تصالح واضحة مع السلطة الأرستقراطية، ضد سلطة الشعب. فالأولى تظهر قابلة للاصلاح التدريجي غير الراديكالي، بينما يرفض خطاب الفيلم الأساليب الراديكالية للغوغاء. بمشهد في البداية يضع غاستون قدميه القذرتين على المائدة فيثير المشهد قرف بِلْ الشديد. في مقارنة مع تصرفات الوحش غير المقبولة كذلك على المائدة [حين ينكب على صحنه فيبتلعه بشراهةِ ملك فاسد وجشع] تجعله بِلْ فيما بعد يتمهل في أكله، إن تصرفات الوحش قابلة للاصلاح، بينما تصرفات غاستون ليست كذلك. 

سكان المركز (خدم الأمير)، لا يثورون ولا يثيرون الشغب. وهم فقط يدافعون عن ممتلكات مليكهم، ضد سكان الأقاليم مثيري الشغب/الغوغاء. في آخر مشهد بالفيلم (القصة تدور في فرنسا) اعادة تجسيد لمشهد اقتحام روما، القلعة ليست مكانا شريرا، والوحش ليس شخصا شريرا [وهذا غير مبرر من الناحية السياسية، فهو يسجن الناس]، بينما غاستون شرير بشخصيته الآلاريكية، والمعركة النهائية معه لأجل حماية بِلْ [الأميرة، غالا بلاسيديا، باريس، الخ] من أسر البرابرة.

الأقل ازعاجاً في الفيلم: عدم معرفتنا لما حلّ بالقرية بعد هذه الأحداث، فقد جرت عملية "اصطفاء" للأخيار من وجهة النظر الأرستقراطية، والد بِلْ صار معها في القصر، الفيلم انتهى نهاية مُحافظة [تزوجت بل من الأمير- بما أن وجهة النظر البرجوازية/المحافظة تقترح أن الزواج عبر-الطبقات حلٌ لكثير من المشاكل الاجتماعية]، لكن أين ذهب الغوغاء؟ أهل القرية؟ وماذا حل بالقرية نفسها؟ يبدأ الفيلم بالقرية/الهامش، وينتهي بمراقصة الأمير لأميرته في القصر/المركز، وهم ذاتهم في مركز صالة الرقص، وحولهم من أهم أقل منهم طبقياً.

الأكثر ازعاجا بقليل: افتراض الفيلم أنه لم يك ثمة مشاكل في الأصل، سوى السحر الشرير لفقراء مُدّعون (المرأة الساحرة في أول الفيلم التي سألت الأمير احسانه فرفض..) هذه الخدعة التي ساقتها المرأة تهمّش من مشكلة الفقر مقابل الثراء الفاحش للطبقة الأرستقراطية، فيظهر الفقراء كأنهم غير راغبين حقا في الاحسان إنما في "احراج الأمراء".

ما هو شديد الازعاج: اعادة التاريخ إلى حيز الميتا-تاريخي، والميتا-سردي، والحلول السحرية، [مشهد عودة الوحش إلى آدميته هو اعادة انتاج لوحة لمايكلآنغلو حول المسيح]. معضلة الفيلم السحر الشرير، وحل المعضلة بازالة هذا السحر بواسطة سحر آخر هو الحب، لكن الحب الذي يحضر في الفيلم ليس حباً، بل طموح طبقي، تقترح هذه الدراما بلا مواراة أن الطموح الطبقي الفردي طاقة ايجابية، بينما الحلول الراديكالية [الثورة الشعبية، مثلا] سلبية، ضارة، وشريرة، وسيئة وعنيفة. الطموح الطبقي لـ بِلْ يزيل التعويذة الشريرة التي أسقطت الأرستقراطية [أسرة البوربورن]، لأنه يُحافظ على مكانتها أو يعترف بها. الفيلم يصدّق على استحقاقية [الوحش/اللوياثان/حامي المدنية من الفوضى] للحبّ.