Friday, September 3, 2010

سخط معرفي

في كتابه، (تاريخ موجز للزمان)، يعلّق ستيفن هاوكينغ تعليقاً - يحسبه ظريفاً- أن : الكشف الفيزيائي/أو العلمي، في عصرنا الآن، صار عصياً، إن لم تكن تتربع على عرش قمة الفيزياء.

وقد أبالغ إن حسبت تعليقه (شوفيني) إلى حد ما، عموماً، ليس هذا ما يزعجني بقدر ما يزعجني : كرسي لوكاس في الرياضيات، التابع لجامعة كيمبريدج، والذي أسسه الملك تشارلز الثاني في القرن السابع عشر. اسحق نيوتن أحد الأوائل ممن شغلوا هذا الكرسي. وفي كتابه- ستيفن هاوكينغ يستعرض من حين لآخر معلومة أنه شغل الكرسي لفترة من الزمن، ثم تركه عندما استقال، وحتى الآن، مذ تأسيسه في القرن السابع عشر وحتى القرن الواحد والعشرين، شغله ١٨ أستاذاً فقط، كلهم إنجليز.

وهو يذكرني نوعاً بمنصب (شاعر البلاط)، وهو كرسي تعسّفي شبه تبجيلي يصنع هالة من (قداسة) حول شاغله، خاصة أن راعيه ملك، في القرون الوسطى وما بعدها كان لزاماً على أساتذة الطبيعة الانتماء إلى الكنيسة، هذا يعني أن يأخذوا على أنفسهم النذور الإكليركية، تدخل الملك شارلز الثاني لأجل عيون اسحق نيوتن، كي يشغل الكرسي ويظل يتمتع بحريّته الدنيوية.

الكرسي شيء ظريف، وهو ليس الطامة أو العكارة القصوى في هذه الدنيا كي نفرد له نقداً واستهجاناً خصوصياً، إلا أني يزعجني جداً هذه الشوفينية العلمية، التي تكاد تقترب من السلوك العدائي العلمي، شاغلي الكرسي كلهم من الإنجليز، تقريباً يتم اختيارهم (بالفرّازة). ثم لماذا اذن يُمنح لشاغله كل هذا الاحترام والمرجعية العلمية؟

إن جمهورية العلماء أكثر عدائية (للأغيار). من جمهورية الأدباء مثلاً. يفتقر ممارسو العلم النظري أو التجريبي إلى الذهن المتفتح إنسانياً، الذي يتمتع به غالباً الفنانون.ربما لأن مجالهم (حر)، يرحب بالاختلاف والآخر. حرية الفن هي ما تجلب عليه الانتقاد غالباً، بينما بلا شكّ سوف تتمتع العلوم الطبيعية خاصة في العصر الحديث بكل الاحترام، فقد صار الفن (هزاراً). والعلم (جَدّاً).وبالتدريج يكتسب العلم سلطة عقلانية -في هذا العصر- تقرّبه من (الدوغما)، وكل دوغما تؤدي غالباً إلى أن يتعامل معتنقها بازدراء، وفي أسوأ الأحوال (بعدائية) مع من يقع خارجها.

دُهشت حين تابعت قصّ ستيفن هاوكينغ الشخصي للمشاحنات والخلافات التي يتعرض لها كثير من أساتذة العلوم في الجامعات المختلفة، من هارفارد إلى كيمبريدج، سواء من الطلبة صغار السنّ الذين يكنون عدائاً قِبْلياً -وقد عادوا لتوّهم من الحرب- لهؤلاء الأستاذة من كبار السن، أو الأستاذ الذي ينال نوبل ثم حين يمارس مهنة في قسم من أقسام العلوم يواجه بالجفاء والعداء المهني. ولعلنا نذكر ما تعرضت له ماري كوري من عدائية حين مارست عملها.


لماذا يغيظني الأمر ؟ هل لأن العلوم حالياً صارت حكراً على كيمبريدج وهارفارد، من جامعة ملكية إلى جامعة امبريالية، وهذا يذكرني باعتراض الولايات المتحدة الأمريكية الدائم على مسألة نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، وهو البند من اتفاقية منظمة التجارة العالمية الذي رفضته أمريكا رفضاً قاطعاً، معللة هذا بأنه يعتبر اهدارا لمجهود علمي ومالي بُذل في جامعات (غربية؟) للوصول إلى هذا السبق التكنولوجي، والجامعات من كيمبريدج وهارفارد وماساشوسيتس، وما يمارس بها من علم على ارتباط وثيق بكل المؤسسات الاحتكارية، من شركات عابرة للقارات (مايكروسوفت- آبل، الخ)، ومن هذه لتلك يتطبّع العلماء أكثر فأكثر بأخلاق عدائية. برغم انجازاتهم التنويرية.ولهذا عوارض، ساغان، بوبر، وغيرهم من الفلاسفة العلميين، يوجّهون خطابهم -للعامة- عادة، في مؤلفاتهم، بنبرة من التعالي، وإن كان لا يشعر بها الأغلبية، فقد لاحظتها، وقد تكون مبالغة مني. فهؤلاء، دائماً، وأبداً يعتبرون العامة جمع غفير من المخرّفين.

9 comments:

H. M. H. said...

في الواقع، العلوم ليست حكراً على كامبردج وهارفرد والجامعات التي تقع في تصنيف ملكية/إمبريالية. هُناك الجامعات (الشعبية) مثل جامعة مينيسوتا الرائدة في العلوم الطبية والهندسة الصناعية - بالإضافة إلى حقولٍ أخرى لا تدخل ضمن تصنيف العلوم الطبيعية، وجامعة فلوريدا الممتازة في الملاحة الجوية، وجامعة تكساس أوستن في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي بريطانيا هُناك مدارسٌ (راديكالية) مثل مدرسة لندن للاقتصاد. أعتقد أن السؤال هُنا حول من يحتكر الدعاية وبراءات الاختراع، لا العلوم نفسها. العلوم - مثلها مثل أي شيء آخر أفسده عصر التنوير - نوعٌ من (البرستيج) الإجتماعي و(شوبِز) كبير يتفوق على (شوبِز) هوليوود.

اسم الجامعةُ التي يأتي منها البحث مُهم، ونوع الثقافة المُرتبط بها، وعدد الشخصيات المتميزة المتخرجة منها، ونوعية المُساهمات التي تحصل عليها من أعضاء بارزين في المُجتمع. النظام يسري في اتجاهين، فبينما تدعم الجامعات خريجيها موفرة لهم نوعاً من النفوذ الاجتماعي، يوفر الخريجون نفوذاً أوسع لجامعاتهم في الأوساطِ النافذة.

المُشكلةُ أن الخيالَ الشعبي - الذي يُبالغ في احترام العلوم الطبيعية - يميلُ لخلع صفةِ الأخلاقية تلقائياً على العُلماء، مُتجاهلاً حقيقة أن المجتمع العلمي مُجتمعٌ عدواني - مثل مجتمع الشركات الكُبرى - ويحظى بالقبول الاجتماعي. إن العُلماء ليسوا المخلوقات المسالمة شبه المجنونة التي تظهر في الخيال الشعبي، بل هُم غالباً رجالُ أعمالٍ شرسون يفتقرون إلى الحد الأدنى من الأخلاق. إسحاق نيوتن لم يتورع عن نسبِ اكتشافات زملائه لنفسه، واستغلال منصبه الملكي أبشع استغلال لسحق العقولِ الأوروبية اللامعة. لقد كان شهيراً مثل بيل غيتس، واستخدم شهرته للترويج لأساليبٍ علمية مُضرةٍ باتجاه العلوم في أوروبا. يُنسب الجدول الدوري لمندليف بينما تُنسى مساهماتُ علماء آخرين مُهمين. وفي أمريكا، امتص توماس آديسون عبقرية نيكولا تسلا وسحقه. لو لم يقف آديسون عقبةً في طريقِ تحقيق أفكار تسلا، لكانت الكهرباء اليوم لا سلكية، وغير مُكلفةٍ لأي دولة. هكذا، تتدخل رغبات العلماء (الكبار) ودوافعهم الأنانية لتحويل مسارِ البشرية بأكملها. المسألة ليست في من يملك ناصية (العلوم)، وإنما في من يملك (البرستيج) والنفوذ اللازمين لدفع عجلةِ التقدم في الاتجاه الذي يرغب فيه. كلام هوكنغ واقعي في هذا السياق، إذ أن العُلماء ذوي الحيثيات هُم من يقرر مُستقبل علم الفيزياء.

في القرن العشرين، نشبُ خلافٌ كبير بين ألبرت آينشتاين وبين مدرسة كوبنهاغن - بزعامة نيلز بور - حول نهاية الفيزياء الكمومية، إذ اتجهت مدرسة كوبنهاغن إلى منحىً أكثر فلسفية، بينما أصر آينشتاين على أن العمليات الكونية ليست لعبة نردٍ غير مُحققة. تلقائياً، استقطب آينشتاين الاهتمام العلمي الأكبر، غير أن التقدم العلمي يعود إلى المنحى الفلسفي اللا يقيني الذي اتخذته مدرسة كوبنهاغن - من دون أن يجرؤ أحدٌ من اللاعبين الكبار على الاعترافِ بذلك علانية. في النهاية، شارك آينشتاين وبور وشترودينغر وفيرمي وأوبنهايمر في صناعةِ القُنبلة النووية وتحولوا إلى علماء أشرارٍ حرفياً، بغض النظر عن خلافاتهم العلمية والفلسفية.

في مقالةٍ منشورةٍ في مجلة [نيوزويك] يذهب أحدُ المحللين الاقتصاديين إلى أن سبب الأزمةِ الاقتصادية العالمية برنامج جامعة هارفرد لدرجة الماجستير. يجتذب البرنامج نُخبة المدراء التنفيذيين في الشركات للحصول على مناصب عُليا، ويجتذب الشركات التي توظف خريجيه طلباً لمزيدٍ من (البرستيج). برنامج هارفرد يُركز على الربحية (الفراغية)، أي تضخيم القيمة الاسمية في السوق، من دون أن يكون لهذه القيمة الاسمية موازٍ واقعي في سلعةٍ ملموسة يُمكن التعامل معها - هُناك من يُسمى ذلك "التجارة الرمادية". ويهمل البرنامج مسألة أخلاقيات العمل تماماً. الناتج عن ذلك أزمةٌ اقتصادية لا يُمكن حلها، لأن مالكي النفوذ والثراء لا يملكون الإمكانية لحلها. فلا أحد يعرف كيف يصون السوق عن طريق معاملةِ الخصوم بشرف، أو عن طريق ربط القيمة الاسمية للمنتج بقيمته الفعلية. ما يحدث الآن عمليةُ بيعٍ للهواء على أوسع نطاق: شركات الاتصالات، شركات الحوسبة، شركات الإنتاج الترفيهي، والماركات الشهيرة.

الموضوع يُمكن أن يتشعب ويتشعب، لكنني قد أطلتُ بما فيه الكفاية. استوقفني تشبيهك لمنصب أستاذ الكرسي بمنصب شاعر البلاط، وأجده تشبيهاً دقيقاً جداً، فكلاهما من لوازم بلاط الملك - بعد تواري وظيفة مهرج البلاط. ينبغي أن يُمسك الملك كُل السلطات في يده، وبالتالي فإن الشعر والعلم وليا نعمته، ومن المُهم لصورته الملكية أن يحتفظ بشاعرٍ وعالمٍ في جعبته. مسألة النفوذ في اتجاهين مزدوجين تنطبق هُنا: الملك يستمد مزيداً من النفوذ من عالمه وشاعره، والعالم والشاعر يكتسبان نفوذهما من الرعاية الملكية.

أشكرك جزيل الشكر على مقالاتِك الجميلة، واضافاتك النيرة للمواضيع التي تُناقشها.

.. said...

جزيل الشكر لك على تعليقك القيّم والمفيد. الواقع أني بدأت هذه التدوينة كـسخرية، أو كتوظيف للسخط الذي أحسه على الحالة العلمية اليوم، بشكل طريف، وأعترف أن بالمقال الكثير من المبالغات التي سوف أعارضها لو قرأتها لغيري مثلاً. عموماً، مثال اسحاق نيوتن الذي تفضلت بذكره يخدمنا كثيراً، يبدو أن المشكلة، راعي العلم الذي قد يكون ملكاً أو جامعة بميزانية حكومية هائلة. الراعي ذو الذوق الملكي سوف يتحكم بخط سير المعرفة/العلم بالفعل، وأن العلم/العالم/النظريات العلمية التي بلا راعي سوف يتم تجاهلها، من يتصوّر-مثلاً- مسيرة الاصلاح البروتستانتي اذا لم تعلن إنجلترا نفسها بروتستانتية؟ وإذا لم يكن ليوناردو دافنشي المهندس العسكري الشخصي لقيصر بورجيا؟ واذا لم تك علاقة غاليليو غاليلي طيبة مع الجزويت ؟ واذا لم يكن عمّ نيكولاوس كوبرنيكوس كاهناً؟ الخ.

الموضوع ليس بهذه البشاعة، لكن، بجانب الأمثلة التي ذكرتيها تبدو لي وكأنها (ظاهرة) تكاد تكون واضحة، الأمر يزداد قبحاً في هذا العصر، لأن كل العلوم باتت معملية، والتجارب المعملية صارت بميزانية ضخمة، آخر تجربة معملية شهيرة، سمعت بها، كانت تلك التي جرت في مركز الطاقة النووية التابع للاتحاد الأوروبي، والتي كانت تقريباً محاولة لمحاكاة الانفجار الكبير. وحين تم توقيع معاهدة الاتحاد الأوروبي في صورها الأولى، صورها الأولى هذه كانت لجنة أوروبية مشتركة للطاقة النووية.

وإلى جانب التمويل المادي، وربما نتيجة له، يأتي البرستيج والنفوذ. بالنسبة لحقل الفيزياء، بالذات، والذي ربما كنت أقصده بكلمة (علم) ذات التعميم المزعج. حقل معرفي دقيق للغاية ويكاد يكون توارثي، إن حقيقة أن حقل الفيزياء أصبح (بطريركياً)، ويسير في خط واحد، والنظرية التي سوف تأتي يجب أن تطوّر من التي قبلها ولا تخالفها (راديكاليا)، بل تزيد عليها، ولعل المثال علي هذا نظرية النسبية الخاصة التي حاول آينشتاين أن يحوّرها خصيصاً كي تتناسب مع تخيل نيوتن وغيره ممن سبق آينشتاين عن (كون استاتيكي). والحقيقة أنه حالياً وبعد جهد كثير تم قبول نظرية (كون متمدد) ولكن على استحياء. أو المثال الآخر حين يضطر مجمع العلماء أن يقبل نظرية مقابل الأخرى. ربما مسألة أن العلم الفيزيائي كحقل معرفي صارم، يرفض الاختلاف عن (الآباء). ويقبله أحياناً بصعوبة، ربما هذا ما يجعله عدائياً.
عبارة هاوكينغ، فهمتها على أنها تلميح بسيط وظريف جداً، إن لم تك خرّيج هارفارد أو كيمبريدج فلا أمل لك. لنفرض أني- أنا- أريد أن أحقق سبقاً فيزيائياً علي المدى الطويل، وأني أملك شهادة من جامعة عربية، حقيقة امتلاكي شهادة من جامعة عربية وأن كل ما تلقيته كان تعليماً عربياً سيصعّب عليّ الأمور أكثر ممن كان تعليمه مثلا (آي.جي.) وهي المناهج العلمية التي تأتي من كيمبريدج وتُطبق كنظام آكاديمي في المدارس العربية. لو أن معي شهادة علمية من جامعة عربية وأردت أن أستكمل الدراسات العليا في هارفارد أو كيمبريدج سوف يجبرونني على تعويض ما فاتني من الساعات (نظام الساعات المعتمدة)، بينما لن يحدث الأمر ذاته مع من كانت شهادته آي.جي.

عصر التنوير جعل العلم (دوغما)، تم استبداله بدوغما الكنيسة، وتم احتقار الفن وأى نوع من العاطفة البشرية، (حركة الرومانسية جاءت اعتراضاً على هذا الميل). لكن، كانط و فيخته وشليغل وهيغل جميعهم لم يطبعوا أي بصمة في العقل الغربي التنويري مثل التي طبعها لافوازييه بنظريته عن العنصر الكيميائي. مخلفات التنوير ظهور أنواع من العلوم (النازية)، منها (يوجينيكس)، وهي نوعية من علوم الوراثة التي تؤمن بامكانية تعديل الصفات الوراثية والوصول إلى (العرق الأسمى) عن طريق التنقيح الوراثي (التنقيح الوراثي كلمة لطيفة يمكن أن نصف بها -بعد ذلك- التصفية العرقية). مثال آخر طريف هو المشاحنات والخناقات حين يرفع معتقنو الداروينية الكراسي على من يخالفهم، وكلا الطرفين متعصب لنظريته - لا خلاف. لكن الداروينيين - بوصفهم يمثلون جانب العلم- على ذات العصبية والعدائية التي غالباً ما نصف بها الطرف الآخر الرافض للعلم الخائف منه.

.. said...

هنالك مثال آخر هو شخص أحمد زويل، إن حقيقة أن أحمد زويل العربي أو المصري الذي كي يحقق سبقه العلمي كان يجب أن يدرس في جامعة أمريكية - أو حتى يتم احتكاره من قبلها، هو جرح علمي/ معرفي عميق. سيقول قائل أن البيئة في الآكاديميات العربية معادية للعلم، ولو بقي في بلده لم يك ليحقق شيئاً، صحيح. الولايات المتحدة الأمريكية كذلك ترفض نقل التكنولوجيا، هنالك جو من الرهبة والخطورة يحيط بجامعة إم.آي.تي. ومثلما قلت، هارفارد تسعى إلى (امتلاك) الأبحاث العلمية التي يحققها أساتذتها أو طلابها، إن مجرد حقيقة أن وكالة ناسا تابعة للحكومة الأمريكية، ولا يوجد في العالم وكالة مثلها أو تملك ما تملكه من مرجعية يثير سخطي. حتى قائمة الحاصلين على جائزة نوبل في الفيزياء تجسّد (توازن القوى) العالمية، سياسياً، قبل الحرب العالمية الأولى كان معظم من يفوز بها ألماني، بعد الحرب العالمية الأولى أغلبية الفائزين أمريكان.. أو هنود/عرب بجنسية أمريكية.

إن (تمركز) السبق العلمي بهذا الشكل، أغلبية من بلد ما، وهذا البلد ذو نفوذ سياسي. الخ، يعطي للأمر طابع غير مريح.


الحقيقة أني أشعر أن كلامي غير دقيق، وأني لم أبحث بالموضوع بشكل جيد كي يخرجني من دائرة الانطباعات والمبالغات، لكن المامك بالموضوع عميق وهاديء وبعيد عن حالة (السخط) التي دفعتني لكتابته، مما يجعلني أتخيل كم كانت ستكون تدوينة رائعة لو كتبتها أنت. : )

Anonymous said...

صحيح، تذكرت الآن فقط الاشكالية الشهيرة المتعلقة بما قدمته الحضارة الإسلامية للعلوم الغربية، بينما يتمتع ابن رشد (آفيرروس) باحترامه الآكاديمي لدرجة أن يُطلق اسمه على أقسام تابعة لآكاديميات العلوم الإنسانية، في مجال العلم الطبيعي لا يوجد أي اعتراف لـ، مثلاً- الحسن ابن الهيثم، رغم فضله علي روجر بيكون وحركة العلم الإمبريقي التي اشتهر بها الإنجليز، أو ابن النفيس وإن كان فعلاً أول من اكتشف الدورة الدموية، مجال العلوم الفيزيقية معاد تماماً حتى للعلماء الواقعين خارج (مجاله الحيوي). صحيح أن الأمر يتعلق باعتبارات أخرى، الاستشراق والعلاقة المتوترة بين الغرب والشرق وخلافه، إلا أن الفلاسفة العرب ممن تخصص في العلوم الإنسانية يُلاقى بالقبول أو التسامح بينما جُعلت كل العلوم (الصلبة/المعملية) حكراً علي الحضارة الغربية.

H. M. H. said...

مسألة الداروينية بالذات مُعقدة إلى حدٍ ما، لأن داروين أكثر العُلماء خروجاً عن العباءة الأبوية للعلم. هُناك من يرى أن داروين الأب الحقيقي للقرن العشرين، فبعد أن قرر عصر التنوير أن الإله قد خلق الكون وتركه ليُدبر نفسه بنفسه تحت سلطة العقل البشري المُطلق، جاء داروين ليُعيد البشر إلى مكانهم الطبيعي بوصفهم جزءاً من الحيوانات التي تُشكل النظام الطبيعي للكرة الأرضية. تزامنت طروحات داروين مع كشوفات إحاثية مُذهلة: الديناصورات. سادت الأرض مخلوقات عملاقة في زمانٍ ما، وانقرضت، ومصير الإنسان يبدو قابلاً لأن يصير كمصير الديناصورات. لقد فقد العقل البشري المُطلق السيطرة التي حاز عليها في عصر الأنوار، لكنه لم يُعِد السلطة للآلهة والأشكال الدينية الأرثوذكسية.

لا تزالُ الجهات الدينية في العالم أجمع تُطارد داروين وتراثه. في مناهجنا الدراسية، إن فكرة الداروينية كفرٌ بواح، ومسألة مضحكة لأن القردة لا تتحول إلى بشر في ثلاثين عاماً أو نحوها! في الغرب، هُناك (النصب) الذي يسمونه "التصميم الذكي" ويصرون على تدريسه. دورياً، تُرفع قضايا في المحاكم الأمريكية ضد تدريس نظرية داروين، وقد نجح الإنجيليون الجدد - بمساعدة جهاتٍ دينية أخرى - في تقليص حصة داروين من مناهج علم الأحياء إلى حدٍ بعيد. الأمر يُنذر بعودة الكنيسة بوصفها صاحبة القول الفصل في العلوم، خصوصاً مع ذيوع نظرية "التصميم الذكي". هُناك عيوبٌ في نظرية داروين بلا شك، لكن أي مُهتمٍ مُنغمسٍ في علم الحيوان يستطيع أن يرى الأنماط التطورية التي يتحدث عنها داروين. إن للديناصورات والطيور سلفاً مُشتركاً، بل إن الطيور اليوم وريثة الديناصورات البارحة. هذه واحدة من أعاجيب الأحياء غير الذائعة. بعيداً عن الجدل المُتعلق بالتصميم الذكي في مواجهة التطور، فإن علم الأحياء التطوري قد تقدم جداً، بعيداً عن أعين الإعلام، وبعيداً عن بزنس الشركات وبراءات الاختراع الذي انغمس فيه إخوته: علم وظائف الأعضاء، الكيمياء الحيوية، والمايكروبيولوجي.

فكرة التصميم الذكي بوصفه عودةً للسيادة الثيولوجية على العلم تجعل من الداروينية خطاً أحمر لا يُمكن التراجع عنه بالنسبة لأنصار نظرية التطور، لأن نجاتها صمام أمان حرية العلم، وسقوطها في مواجهة التصميم الذكي يعني سقوط كل ما لا يُوافق هوى الأرثوذوكس. لذلك، تلقى نظرية التصميم الذكي معارضة شديدة تصل إلى درجة اختراع "وحش السباغيتي الطائر" للسخرية منها.

التجرد العلمي قد يتسبب في تشييء البشر موضع التجربة، كما هو الحال مع التجارب النازية على الأسرى. العُلماء النازيون يحملون صفةً علمية، وقدموا خدماتٍ جيدةً للعلم، ولبلدهم. النظام الراعي للعلماء النازيين نظامٌ عُنصري صنف غير الآريين في مرتبةٍ أدنى من الآدمية الكاملة، والإيمان بهذا النظام يرفع عنهم حرج استغلال إخوتهم في الإنسانية. إن اعتقادهم أن الأغيار ليسوا بشراً يجعلهم حيوانات تجارب كخنازير غينيا وفئران المعامل. أتذكر مشهداً من أحد أفلام [كوكب القردة] القديمة، يحتار فيه الآدميون بشأن قردة قادمة من كوكب القردة مع زوجها: إنها عالمة، وقد قامت بإجراء تجارب على البشر. في كوكب القردة البشر حيوانات تجارب، وفي كوكب البشر القردة حيوانات تجارب. الأمر الذي يعني أن العالم البشري مُجرم في كوكب القردة، والعالم القرد مجرم في كوكب البشر. وفي آخر المطاف، فإن العلم عموماً يخلو من المقاييس الأخلاقية التي تحكم الفنون بشكلٍ أو بآخر.

ملاحظتك بشأن تمركز السبق العلمي في محلها، غير أن هُناكَ مُلاحظة هامة تتعلق بها، فأثناء الحرب العالمية الثانية شهدت ألمانيا - ودول المحور - هروباً جماعياً للعلماء إلى أمريكا دبره الحلفاء. لقد كانت أوسع عملية تهريب عقولٍ إلى الخارج، والغرض منها تدمير قدرة ألمانيا العقلية، وحرمان النازيين من الأفضلية التقنية التي كان يُمكن للعلماء الهاربين توفيرها لهم.

المسألة أن العلم استُخدِمَ في أوروبا بوصفه وسيلة للاستعباد، حيث أنه ما جعل أوروبا تحتل العالم، فتبيد سكان أمريكا الأصليين، وتُهجِرُ الأفارقة ليصيروا عبيداً، وتستولي على ثروات آسيا الطبيعية. فعلت أوروبا ذلك بالمسدسات والمدافع والمصانع والسكك الحديدية. لذلك، يصعب على الأوروبيين الاعتراف بفضل العلماء العرب في مجال العلوم الطبيعية. المُقترب العربي للعلوم الطبيعية مُقتربٌ إنساني فلسفي - إن جاز القول - فالعرب لم يستخدموا تفوقهم في العلوم وسيلة لقهر الشعوب الأخرى، وتمكن الأوروبيون من الاستفادة من كُل مقدرات الحضارة العربية من غير شرطٍ أو قيد، سواء في مجال الطب أو الفلك أو الجبر. لم يكن العلماء العرب مشغولين بفكرة "عبء الرجل الأبيض"، ولم تكن طبيعة علومهم ذات توجهات رأسمالية (التصنيع الشامل، الحصول على المواد الخام بسرعة ومن دون تكاليف، صناعة السلاح، ....)

ع said...

المشكلة أن الداروينية ليست نظرية إنما ظاهرة، أتفق معك أن المسألة مع داروين مختلفة عن غيره، الحقيقة أن داروين بالفعل قد سلك نهجاً مختلفاً عن الأنوار، إن إرث الأنوار الغربي هو إرث كاثوليكي. ونظرية ديكارت القائمة على التفرقة بين الروح والجسد، وأن الإنسان هو سيّد الطبيعة بتطبيق العلوم الفيزيقة والرياضية. وهذا الخط الذي أخذه من بعده كانط ووصل إلى ذروته في الفلسفة الألمانية الرومانتيكية عند هيغل. الإنجليز عموماً. (هوبز القائل بأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وديفيد هيوم وتوماس ميل وكلهم إنجليز من أنصار العلم الإمبريقي، العلم الإمبريقي في الحقيقة مخالف تماماً لعقلانية الأنوار، والظاهرة التي صاغها داروين في كتابه أصل الأنواع لم تنشأ نتيجة تأمل/سباحة في ملكوت العقل المحض، بل هي نتيجة سفريات وملاحظات عينية ومعملية قام بها داروين حول العالم. إن كل هذا مختلف عن (العقل الغربي) إياه الذي أصلاً قام على أسس رواقية/أفلاطونية/طومائية. علمانية فولتير وروسو تستخدم (أدوات) نقدية وعقلية سكولائية أصلاً.
أتفق معك أن داروين ربما هو أب القرن العشرين. والقرن العشرين كله مسكون بـ. ما يمكنني تسميته، الهوى الدارويني، وهو أمر لا يتعلق بعلوم الإحاثة وأصل الإنسان، إنما هو (السفر) إلى المجاهل لجمع العينات، وقد تتوج الأمر بالرحلات الفضائية، هبوط الإنسان على القمر، جمع عينات من المريخ، الخ.

الإنسان (اكتشف) فجأة أنه في الحقيقة بإمكانه وضع القول الفصل في العديد من القضايا (التي كانت من قبل ميتافيزيقية). من قبيل، أصل الإنسان، أصل الأنواع، عمر الكون، وكل هذا تمت الاجابة عنه معملياً.
وبواسطة التأريخ بالكربون قُدّر عمر الأرض، وهو عمر مخالف لما تذكره الأناجيل. وحقيقة أن أدوات التحليل والكشف العلمي الحالية لم تعد حتى عقلانية، أو سكولائية، بل مادية تماماً. ربما هذا ما يجعل العلم عدائي. الإنسان بطبيعته ليس مادياً، وليس امبريقياً، ولا حتى عقلانياً محضاَ، والإنسان من حيث الهوى والميل يتجه للشاعرية، والميثوس، ربما العلم ليس دوغما بالضبط، لكنه كذلك صار ممارسة (إيليت). العالم يحتقر العامة. وفي هذا تعميم، لكنه للأسف يتضح لي كل مرة. لأسأل نفسي، ما هو انطباعي عن العلم ؟ فأنا لم أعاصر شعلة الأنوار، وكل ما عاصرته عن العلم، هو ترسبات سوداوية من فترة الحربين، وسباق التسلّح. الكوابيس الشاعرية كلها، من أول د.فاوست، مروراً بـ د.فرانكشتاين، وحتى د.سترينجلاف. تحققت ساعة القاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي. إن مثال القنبلة الذرية رغم أنه صار كليشيه يضع العلم دائماً في مواجهة سؤال الأخلاق، العلم في مأزق أخلاقي، وإن كنت أقول دائماً : لم يُجبر أحد على ممارسة التجارب العلمية بقلب شاعر!

ع said...

ما هو العلم الآن، وإلى ماذا صار، والأهم، ما نصيب الأغلبية على هذا الكوكب منه؟ السباق التكنولوجي تحول إلى سباق استهلاكي، ووسائل التكنولوجيا الحديثة من حاسبات وغيرها صارت -كما يقولون- تقيد الملكات الفكرية المستقلة للإنسان، سواء عارضنا أم لا، هي بالفعل وسائل مادية. ولا أريد أن أكثر من استخدام كلمة مادية كما يكثر د.المسيري من استخدامها بشكل يضعه في منطقة التحيز. إن الأمر، كما يقول مايكل آنغلو ياكوبوتشي : مسألة خلط العلم بالحقيقة، والشغف الغربي بالحقيقة المطلقة تجعل الغرب ينصب علمه الحديث بدلاً من الحقيقة المطلقة التي قدمتها الكنيسة القروسطية، وهكذا يتحول العلم إلى ثيولوجيا. لكن هذا كانت مشكلة مبدئية ميزت مطلع القرن العشرين، المشكلة الحالية هي (الأداتية) كما ترد في مصطلحات د.المسيري أيضاً، العلم أداتي، ربما يشيء الإنسان كما ذكرت، وحتى لو لم يحدث هذا، ولو خارجنا من دائرة العلم الثيوطيقا، فإن العلم صار هو الوسيلة الوحيدة، والعلم هو الحقيقة الوحيدة، هذه الحالة ربما سوف تخيف الجميع، وسوف تُخرج العلم من هالته النورانية (الملائكية؟). إن أخلاقيي القرن العشرين العلمانيين، ومنهم برتراند راسل، يعترفون كذلك بدور الثيولوجيا الأخلاقي، وقيم التسامح والمساواة العالمية. إننا جميعاً نخاف العصر الجديد الذي قد يحول العالم كله إلى مصحة نفسية (كما يعبر عن الأمر ميشيل فوكو). وما للعلم المتطرف من سلطة على جسد المريض/المجنون، سواء بالصدمات الكهربية أو بالعقاقير. واستخدام الأدوات المادية للطب النفسي (علم الأعصاب وكيمياء الدماغ). التي صارت تملك الحق أكثر فأكثر في تجريد الإنسان من مرجعيته، قدرته على الحكم. فردانيته أو مركزيته الكونية، وليس الأمر تجريد من التعصب الكنسي، إنما تجريد الإنسان من كل ما هو إنساني.

إن الكابوس التكنولوجي/الآلي لفيلم (ماتريكس) مثلاً صار حالة عقلية شائعة لفترة ما بعد الألفين، خاصة الهستريا الألفية الخاصة بالقرن الواحد والعشرين، حين سادت اشاعة أن كل الحاسبات في العالم ستتوقف عن العمل. والإنسان صار محصوراً، محاطاً ومهدداً بالعلم/الآلة/التكنولوجيا، وبالتدريج تُنتج أعمال فنية تطرح تساؤلات عن الأمر من قبيل فيلم ترميناتور.

لكن العلم كذلك مهدد دائماً، سواء بالأرثوذوكسية أو حتى بالأخلاقيات، وهو معرض دائماً لأن يتحول إلى هراء/خرافات، كما يقترح مؤلف كتاب (عالم تسكنه الشياطين). وبرغم أننا الجيل الذي نشأ على السمعة المشبوهة للعلم، فنحن ندرك هشاشته أمام غوغائية الجهل. وحتى الرأي الذي لا يريحني، بخصوص سمو العلوم الطبيعية على الفنون، فأنا ذاتي أميل إليه. وأستاء ممن يخافون من العلم، لأنهم يتعاملون معه بأدوات عقلية خاطئة. ربما كانت تدوينتي في البداية (التي يزداد احساسي بشططها)، استياء من عدائية الممارسة العلمية، الجهات العلمية، أو حتى العلماء، لأني أظن أن في هذا تحجيم أكبر، وتهديد أكبر للعلم، حين يبدأ هذا في معاداة نفسه. أو :
Science Vs. Science

في نفس هذا الوقت من العام الماضي دخلت في مناوشة للدفاع عن العلم، وقلت أنه من الخطأ تماما أن نخاف منه، وأني في صفه دائما وأشعر أحياناً بعدم الرضا عن نفسي لأني لم أحصل على ما يرضيني من العلم أو المعرفة.

إن تدوينتي بها من الشطط الكثير. أجد هذا واضح. لكن هذا يسعدني لأني يتيح لي الحوار.

H. M. H. said...

لا بُد من بعض الشطط، لأن الكتابة المسالمة مثل الأحاديث المُهذبة التي يتبادلها المعارف في المناسبات: مجرد وسيلة لعرض آداب السلوك، لا لتوليد الأفكار. ت. س. إليوت – العقلاني – من كبار الشاطين بتشريعه السرقة الأدبية، وعدائه المفتوح للرومانتيكية، وما يُمكن أن يؤخذ على أنه احتقاره العرقي لليهود. كما أن الشطط بلغ بستيفن هوكنغ مبلغ الإعلان عن احتكار الكشوف الفيزيائية الكُبرى للأساتذة الكبار في جامعات النفوذ، وقبله ذهب نيلز بور إلى الاعتقاد بأن الفيزياء الكمومية قد طرقت أبواب الآلهة، ووصلت إلى حافة العلم القصوى – اللا يقين.
حيثُ أن الشر جزءٌ أصيل من الطبيعة البشرية، فإن قلب الشاعِر ليسَ نقيضاً لقلب العالم – من حيث قدرته على احتمال ما ليس إنسانياً، أي ما يُعتبر شريراً. المخيلة الفذة عملٌ شرير، لأن الغاية القصوى لكل شاعر أن يحكم مملكة من الخمايرات: العبقرية بربرية بالضرورة، وبدائية، ومخيفة. إن الفرق الوحيد بين العالم والشاعر أن العالم يستطيع تنفيذ الشر فعلياً – تمزيق البشر، صناعة الأسلحة، ..... – بينما يبقى شر الشاعر شراً عقلانياً محضاً. شرُ الشاعر أكثر إلهاماً، لأنه يقود العالم إلى شرورٍ جديدة: استخدام السكان الأصليين في التجارب الأحيائية – مثلاً – لأن الشاعر رأى أنهم ليسوا بشراً وإنما كائنات بربرية تحدرت من شياطين ما. في رواية إيتالو كالفينو [الكونت المشطور]، يُبدع نجار الضيعة تحت قيادة النصف الشرير من الكونت، فيصنع أدوات قتلٍ وتعذيبٍ تصيرُ تحفاً لعبقرية أفكارها ودقة صُنعها. عندما يستولي النصف الخيّر من الكونت على الحكم، يفشل النجار في إنتاج أدواتٍ خيّرةٍ تُساعد الأهالي. حيثُ أن الشطحات العلمية شطحاتٌ عبقرية، فإنها تحتوي على عنصر شريرٍ فيها. هُنا، ينبغي أن يتدخل النظام الأخلاقي ليقي البشرية من الشر المُرتبط بالعبقرية – التي عبر عنها الإغريق بسرقة النار من الآلهة.
أتذكر مقالة لطه حسين كانت مُقررة علينا في المدرسة الابتدائية، وفيها يرفض تماماً التُهَم الموجهة للعلم بأنه شرير وسيقود البشرية للدمار، لأن القائلين بشرِ العلم إنما "يحكمون على البشرية بالجنون الوراثي". أعتقد – رغم ما قد يكون في هذا من شطط – أن البشرية مُصابة بجنون وراثي: لقد استخدمت البشرية الطاعون منذ بداية التاريخ وسيلة في الحروب البيولوجية، وكانت أكثر الأدوات تطوراً تلك المرتبطة بالحروب. في عصر سيادة العلم الحديث، حقق العلم مُغامراتٍ مُكلفة وغير مُجدية بالنسبة للبشر بالوصول إلى الفضاء الخارجي، ودراسة القمر والمريخ. صنع الأسلحة النووية الانشطارية والاندماجية، والقنابل الذكية، والصواريخ الموجهة، وأنظمة المسح الحراري، والأقمار الصناعية التجسسية، والأسلحة البيولوجية والكيميائية. لكن العلم الحديث لم يجد حلاً نافعاً للملاريا مثلاً، ناهيك عن أمراضٍ مثل الإيدز. في الواقع، فإن أكثر مساهمات العلم جوهرية في مجال علم الأمراض – مثلاً – كانت تخليق فيروسات شرسة مثل الإيبولا وإطلاقها على البشر. علاج البشر من الملاريا مُمل، لكن إطلاق فيروس يقتل عشرة آلاف شخصٍ أمرٌ ممتع. إن العلم الآن عبارة عن أكبر تجمع للقراصنة عرفه التاريخ، خصوصاً مع زواجه المُرعِب من السياسة، وارتباطه بتوحش الحكومات. تجمع القراصنة هذا يُمارس ميله الفطري إلى حُكم مملكة الخمايرات، ويتسلى بلعب دورِ الإله. الآلهة في الميثولوجيات البشرية غاضبة دائماً، توقع البشر في المهالك لمجرد استعراض القوى، وتستهلك العالم في راكنوراك آخر الأمر.
العلم الآن صار الأخ الأكبر، فما كان يُعرف قديماً على أنه "طبيعة خاصة" أو "تفرد" أو "غرابة"، صار يُعرف علمياً بوصفه "ثنائية القطبية" أو "متلازمة أسبرغر" أو "ميل اكتئابي انتحاري" ويُعالج بالأقراص والصدمات الكهربائية. حتى حق الإنسان في الفظاظة قد سُلب منه مع وصفاتٍ دوائية تجعل الجميع طيبين وهادئين. صارت السعادة – الأقرب إلى البلاهة – ممكنة بوصفة كيميائية. هكذا – وبمساعدة المدرسة، يخلق الأخ الأكبر أجيالاً من المستنسخين الذين يعيشون في ديستوبيا هائلة بوصفهم جيشاً من النمل يحتفظ به الأخ الأكبر كما يحتفظ بالآلات. الغرض الأسمى للعلم ليس رفاه الإنسان، بل تنفيذ مبدأ [مزرعة الحيوان]: جميع الحيوانات متساوية، لكنها بعضها متساوٍ أكثر من الآخر. لهذا، يُصبح من الممكن التضحية بآلاف الأفراد في إفريقيا ممن تُجرى عليهم تجارب شركات الأدوية من أجل أن يعيش بضع مئاتٌ في أوروبا.

ع said...

أتفق معك في كل ما ذهبت إليه. وليس هذا فقط، أجد تعليقك رائعاً يضيف أبعاداً أعمق للموضوع. أظن أن التدوينة لم تك لتملك أية أهمية لولا تعليقاتك .


عيدك سعيد . :)