Sunday, December 26, 2010

Die Entzauberung der Welt

اضطررتُ للأسف لحضور حلقة دراسية تتطرق لبعض المواضيع من الحضارة المصرية القديمة، والبارحة تطرّق أحدهم - يحمل درجة علمية عالية في الموضوع نفسه- قائلاً: أن المصريين القدماء توصّلوا لطريقة لصنع الذهب، وهنا أتدخل أنا لأشرح للقرّاء: ما فهمته أنها طريقة -ميتافيزيقية- باستخدام أرقام معينة،  في أوقات معينة من السنة -بحسب علم التنجيم أو الفلك المصري القديم. بتجميع هذه الأرقام بكيفية ما - على حدّ قوله- يُصنع الذهب.

طبعاً، كلامه هراء. ولست من هواة التفافز بالحجّة العلمية التي سوف تجعل الكلام كله كوميدياً جداً، لكن، أولاً "هذا التخيل" حديث العهد، رأيي أنه ينتمي لعصر النهضة الأوروبية حين سطع نجم القبالة اليهودية، التخيل الذي يقترحه الأخ تخيل "قبالي" جداً. التصوف اليهودي قديم العهد- لكن ليس جداً، تقريباً أيام مدرسة الاسكندرية حين اختلطت أفكار فيلون اليهودي بالأفكار الغنوصية الناشئة. أما القبالا فهي نهضوية بالكامل. ولا أتصوّر أن تكون قد قامت - بهذه التخيلات الرقمية، ذاتها- في زمان أقدم.

ثانياً، والأهم: هذه التخيّلات جاءت غالباً لتبرير الكميات الهائلة من الذهب التي تحصّل عليها قدماء المصريين، ونعرف أن مصدرها الحقيقي/الفيزيقي، هو السُخرة، وعمليات السخرة القاسية واللا آدمية التي قادها عليّة القوم في مصر القديمة، لجمع الذهب من المناجم، وعمال المناجم يعملون في ظروف مرعبة، وصفها كتّاب اغريق في كثير من المصادر.

أنا لا يهمني هذا الهراء، ما يهمني  هو استخدام أبعاد خرافية لتبرير واقع مرير، وكل هذا يحدث في اللا-وعي البشري، هنالك مثال آخر هو الخيمياء - وتلك أيضاً استمّدتْ قاعدتها الخرافية من مصر القديمة، الخيمياء في عصر النهضة وما يليه - أي عصر المركنتليين، والمركنتليون مفكرون "اقتصاديون" أرجعوا قوّة الدولة -السياسية، العسكرية والمالية- للنقد، العملة، أي الذهب، وعليه فإن الدول الراغبة في القوة والثراء عليها أن تغير على جيرانها لتتحصل على ذهبهم. وفي العصر ذاته يستبدّ بالمثقفين هوس باطني بتحويل الرصاص إلى ذهب. وفي العصر ذاته تظهر خرافة "إل دورادو". وتحكي عن زعيم قبيلة مويزيكي غطّى نفسه بتراب الذهب وغاص في بحيرة غواتافيتا كنوع من الطقس الديني - بكولومبيا حالياً. الطريف أن كل هذه الخرافات تتعلّق بالذهب بشكل ما- هذه الخرافة منشأها أسباني تحوّرت لتصف مكانا خرافيا (مدينة ذهبية ضائعة). أين ؟ في أمريكا الجنوبية. وهو هوس خرافي استبدّ كذلك بالغزاة الأسبان أيام اغاراتها المتتالية على هذه القارة.


إن كل عمليات التحصّل على الذهب في العصور القديمة - مدفوعة بجشع إنساني متوحش لكن منظّم للغاية. شابها بعض الخرافات. هل الخرافة هي نوع من "وضع يد البشر وقتها في الماء البارد". الخرافة ترفع "هذه المسؤولية" الأخلاقية التي قد يحتملها هؤلاء. والأمر أكثر وضوحا في حالة "إل دورادو" : البحث عن مكان خرافي يبرر كل جنون/عنف/ دموية/ تُساق في سبيله، والعالم حينها يفقد -من الأساس- كل أبعاد الحكم السليم.

2 comments:

H. M. H. said...

أعتقدُ أن المسألة اقتصادية في جوهرها: يخدم الدين والعلم والفن رأس المال ودورة الحياة الاقتصادية. مثالٌ على ذلك استرقاق الأفارقة وعصر العبودية الذي استمر مُنذ اكتشاف الأمريكيتين حتى القرن العشرين - والحادي والعشرين، ربما. إذ أن الكنيسة بررت استرقاق السود بخرافةٍ طريفة مفادها أن الأفارقة ينحدرون من حام بن نوح الذي اطلع على عورة أبيه ذات يومٍ فضحك منه ولم يستره، مما أغضب أباه منه وجعله يسخطه ونسله عبيداً لإخوته ونسلهم. بهذه الخرافة تجعلُ الكنيسة من استرقاق السود قدراً لا سبيلَ إلى دفعه.

ولأننا في عصر النهضة، فإن العلماء لم يتركوا الكنيسة تظفر بكعكة الخرافة وحدها، إذ ساهموا بشروحاتهم العلمية المفصلة في (إثبات) خرافة أن الأفارقة نوعٌ أدنى من البشر، يختلفون تشريحياً عن البيض، مما يُبرر استرقاقهم بالمُبرر ذاته الذي يُبرر استخدام حيوانات المزرعة وامتلاكها.

الدافع وراء هذه الخُرافات كان تبرير ممارسة سائدة: اختطاف الأفارقة وبيعهم ليعملوا بالسخرة في أرضٍ غريبة. والهدف كان تقليل تكاليف استعمار الأمريكيتين، والوصول بالربح المادي إلى الحدِ الأعلى.

الفن لم يكن بعيداً عن هذا، إذ ساهم في ترويج الخرافات عن الإلدرادو وذهب كورتيز، متجاهلاً المذابح التي ارتكبها المغامرون بحثاً عن الإلدرادو - والحقيقة البديهية التي تقول إن الإلدرادو ليست أرضاً مشاعاً، وإنما مملوكة لمن بنوها، في حالِ وُجِدَت. كذلك، فإنهم تجاهلوا الطريقة الوحشية التي جمع بها كورتيز ذهبه من دماء السكان الأصليين لأمريكا وحضاراتهم المُدّمَرَة. ومن ثم ساهم في ترويج الخرافات عن السكان الأصليين لأمريكا أنفسهم، لأغراضٍ سياسيةٍ هذه المرة، مُبرراً استعمار الأمريكيتين، ومشوهاً تاريخ الأمريكيين الأصليين. الأمرُ نفسه يمارسه المؤرخون الذين يروجون للخرافات مُتجاهلين أن الإحسان المسيحي إلى وثنيي البلاد المكتشفة حديثاً قد تضمن بطاطين موبوءة، وتطعيماتٍ تنشر المرض. وأن السكان الأصليين الذين تنصروا قُتِلوا كذلك من قِبل إخوتهم في الدين المختلفين عنهم في العرق، في مذابح عديدةٍ.

الخرافاتُ التي يُريدُ (الأساتذة) إعادة ترويجها بخصوص الرفاه الاقتصادي تربط هذا الرفاه بشروطٍ ميتافيزيقية صعبةِ التحقق، وتُحافِظ على الصورة الخيالية للحضارة الفرعونية بوصفها حضارةً مبنيةً على السحر والاتصالِ بالعالم الآخر، للإبقاء على الافتتان الغربي بها، ولإعفاء التاريخ من المُحاسبة الدقيقة. إن ذيوع أمرِ ممارساتٍ لا إنسانية مورست إبان بناء الأهرامات واستخراج الذهب قد يدفع القارئ المُعاصِر إلى رفضِ الخُرافاتِ المُتعلقة بالحضارة الفرعونية. رفض الخُرافاتِ أمرٌ مُرعب، لأنه يعني إعادة النظر في التاريخ وخرافاته السائدة، ويعني أيضاً أن شروط الرفاهِ لم تكن ميتافيزيقية وإنما فيزيقية بحتة، قابلةً للتحقق من جديد. رفضُ الخُرافات يؤدي إلى تفكيرٍ أكثر مادية، وأكثر فردية، وأكثر مُبادرةً إلى الأخذ بأسبابِ الرفاه. إذا رُفِضَت الخُرافاتِ سقط الملك، وإذا سقط الملك سقطت حاشيته من وزراء ومستشارين ورجال كهنوت ورجال علمٍ وشعراء وفنانين ومهرجين وخدم ودراويش وشحاذين. من يُريدُ أن يخسر مصدر عيشه الحالي ويُثبَتَ نفسه في عالمٍ جديد؟ لذلك، يجبُ أن تشيع الخُرافات، لا على ألسنة العوامِ فحسب، بل يجب أن تعشش في عقول العُلماء كذلك.

أعتقد أن هذه التدوينة تتحدث عن الخلل القاتل في الفكر الإنساني، وأعتقد أننا نحتاجُ وقتاً لبلورةٍ مفهومٍ أكثر شمولية حول التفسير الخُرافي للتاريخ.

أشكرك جزيلَ الشكر على تبصراتك العميقة وتدويناتك اللماحة، وأتمنى لك عاماً سعيداً يخلو من الخرافات.

ع said...

اقتصادية ولا شكّ. ذكّرني كلامك بالمزيد من الخرافات، "فرسان المعبد" وكأسهم المقدسة. الكأس المقدسّة تحل محل إل دورادو. في زمن الحروب الصليبية، تمتّع الفرسان ببرستيج قدسي لا مثيل له. بخلفيتهم التصوفية/الباطنية ومظهر الفروسية أو القداسة أو الشهادة أو البطولة، بعد العودة من الحملات اشتغل هؤلاء كصرافة، جمعوا الأعشار واستلبوا قلوب الناس، وأموالهم. وتحصّلوا على غنائم وأراض مملوكة. تعاظمت قوّتهم إلى درجة أرعبت ملك فرنسا حينها، فيليب الرابع. فعمل ذاك على تجريدهم من برستيجهم الديني/البطولي. انتهى الحال بهم إلى محاكمة تاريخية شهيرة -اعترفوا خلالها أنهم هراطقة، مارسوا الفاحشة، وأن جماعتهم تعبد الشيطان!

لو نظرنا للأمر بتجريد مادي/علمي: هؤلاء جماعة فرسان/رهبان، حُقنتْ صورتهم على يد الكنيسة والدولة بمظهر الفضيلة والبطولة فقط لأنهم كانوا نافعين استراتيجياً. وحين انتهت الحرب شكّلوا تهديدا اقتصاديا لممالك أوروبا.

لكن هنالك أمثلة أخرى على "سياسية" مسألة الخرافة، أستغل فرصة ذكرك لموضوع "الأجناس" السخيف. في الكتاب الشهير "لغات الفردوس" يبحث كاتبه في ظروف نشأة النظرية الفيلولوجية الأشهر: اللغات الهندو-أوروبية في مقابل اللغات السامية. هذه النظرية مقبولة لغوياً، لكن المشكلة أن لها أبعاد عنصرية/ثقافية. في القرن التاسع عشر - قرن بدء استعار النزعات القومجية، سادت فكرة أن أعراق الأوروبيين : من الاغريق، الأسبان، طليان، انجليز وجرمان هم عرق هندو-أوروبي. تصطبغ الادعاءات بلمسات دينية حين يؤكد هؤلاء الفيلولوجيين - الجرمان في أغلبهم- أن اللغة الهندو-أوروبية الأولى/المثالية هي التي تكلّم بها آدم. وأن عدن (الجنة الأرضية التي نزل بها). توجد بالهند.

هذه الخرافات استقوتْ في عهد الاستعمار، واستخدمها القادة السياسيين الإنجليز لاقناع الشعوب الهندية أن نزول البريطانيين ببلدهم إنما هو "لمّ شمل" العائلة القديمة. ليس الهنود وحدهم المتضررين. اُستخدمتْ النظرية سياسياً لاثبات كفاءة العنصر النوردي-الجرماني-الكلتي، فهذه أعراق تملك القابلية والموهبة للسيادة في البر والبحر (استغلال الطبيعة)، وذاك استناداً على أفكار طريفة جداً: لأن الميثولوجيا الهندو-اوروبية (من الهند، فارس، اغريق، جرمان) تغلب عليها التعددية الوثنية التي هي ميتافور لتعدد قوى الطبيعة وتسخيرها بواسطة العقلية النوردية. في مقابل الطبيعة الكسولة-المتحفظة- المتجمّدة للأعراق السامية، فالساميون (اليهود) لا يملكون الإرث الميثولوجي التعددّي الدال على الفهم الشاعري لقوى الطبيعة، كما يملكه الهندو-أوروبيون.

الخرافات مستمرّة، سواء لأسباب ثقافية أو اقتصادية - وأتفق معك أنها في أغلبها اقتصادية- وآخر واحدة كانت لإدارة بوش الابن التي ربطت بين صدّام وبن لادن كي تعبث شركات البترول العملاقة في الآبار كما ترغب.

الجرء الختامي من تعليقك ممتاز جداً. تحليل أكثر من رائع للمسألة، وأوافقك أننا - والتدوينة ذاتها- كُتبت على عجالة وبلا قصد حقيقي لتبيان ذاك الخلل التاريخي، وأن الموضوع يحتاج للمزيد من البحث والتحليل.

جزيل الشكر لتعليقاتك الثمينة.