Wednesday, October 20, 2010

التحوّلات

العبقري، كمفهوم وكلمة واصطلاح، سواء في الذهن الغربي أو الشرقي، هو من يضيف إلي الطبيعة، يشاركها انتاجها، يتحداها. وليس من يفكّ أسرارها أو يتفّهمها. لذا: علماء الفيزيقا ليسوا عباقرة، وفي حين لا يمكننا أن نقول على (ايزاك نيوتن) أنه عبقري، لو التزمنا بأصول المفهوم، فإننا سوف نطلق على غوته مسمى عبقرياً، (طبعاً، مثله مثل دافنشي، دانتي، بيتهوفن، وغيره من الفنانين).


ولو تأملنا في الكلمة العربية، التي تشترك تقريباً مع الكلمة اللاتينية في الأصول، تنحدر من وادي (عبقر). والشعراء في شبه الجزيرة كانوا عباقرة، بسبب الطبيعة الغامضة، المظلمة، والمخيفة للابداع الفني.  ولو الأمر في الذهنية البشرية يتعلق بـ(عفاريت) الابداع فحسب، لما ارتبطت الكلمة بمكان طبيعي، أي وادي عبقر. فالعبقرية الفنية لا تتعلق بالميتافيزيقا فقط، والماورائيات الظلامية، بل المسألة هي غموض الطبيعة، وطاقة الابداع (بحسب الفكرة القروسطية، حيث الفنان هو تلميذ الطبيعة، الجاثي على ركبتيه أمام عظمتها)- هي دائماً طاقة نابعة من مناطق غامضة، مظلمة ومجهولة في الكون : وادي عبقر المقفر بصحراء شبه الجزيرة. والفنان حين يستمد من ظلام الطبيعة واستتارها الهامه، وطاقاته، يستطيع فقط في هذه الحالة منافستها والاضافة إليها. أي يصبح عبقرياً.

النظريات الجمالية تجد في الابداع الفني شيء معاكس لاتجاه العقل، فبينما يأتي الابداع الفني من الروح (كما يقترح جاسون باشلار)، يميل الفلاسفة للعب دور المنظّمين، وميل النظريات الفلسفية للشمولية: حيث يجب أن تقدم النظرية الفلسفية -بحسب الاعتبارات المدرسية والأكاديمية- تفسيراً لقضايا محددة: الكون، الإنسان، الإيمان، المجتمع، الخ. هي هكذا تميل لتصبح عدائية للاختلاف والثورية والابداع، العقل الغربي حين تأسس مذ أفلاطون، وحتى هيغل: كان تحليليا تنميطيا، نسقيا (نظاميا)، يستقي خط سيره من البرهان، والافتراضات، ووضع تسميات/تصورّات تعسفية للتفسير. أفلاطون أدرك شمولية آيديوليجيته، وخاف عليها من التصدّع، فطرد الشعراء من مدينته الفاضلة، وحين نصل لهيغل نجد عنده ذات القلق، حين يربط -في نظريته- بين الفرد والدولة برباط شبه مقدس.
ولعل أقرب ممارسة عملية لهذا النوع من الشمولية العدائية هي التحليل النفسي والمدرسة الفرويدية، والسيكولوجيا تحاول سبر أغوار العبقرية، (كما يفرد فرويد كتاباً مستقلاً لاكتشاف (العقد النفسية) التي دفعت دافنشي ليصير دافنشي). وتعاملها كنوع من الانحراف البشري، أو "الظاهرة".
والعقل الاغريقي (الفلسفة- الحكمة - المنطق) ارتبط بالمدينة الاغريقية، وكان رأيي دائماً أن نشأة الفلسفة كانتاج اغريقي له علاقة بشكل المدينة (بوليس) الاغريقية، وفرادتها بالنسبة لبقية الحضارات، إنها شكل اجتماعي صارم، والحكم برلماني أوليغاركي، في حين كان عدم انفراد شخص واحد بالسلطة ميزة نادرة، إلا أن الأمر وقف عائقاً أمام الاختلاف الفردي الحاد: فلا يوجد ملك (مثقف) يرعى الفنون والفلاسفة-كما، في حالة الاسكندر، والحادثة الطريفة حين أحرق كل مدينة طيبة عدا بيت الشاعر بيندار)، كما أن المدينة تميل دائماً للموائمة بين التقاليد والتحفظات الاجتماعية لجميع أفرادها (كما في حالة اعدام سقراط). أو حتى منع السلطات الرومانية للجماعات الدينية التابعة لديونيزوس من ممارسة طقوسها.


يقدم نيتشه نظرية ظريفة في المقارنة بين الابداع العقلاني الصارم، والعدائي، وبين الابداع الفني (الحقيقي - غير المريض)، يضع الفنون المتحفظة في كفة أبوللو (الشعر ، النحت)، ويضع الموسيقى، الرقص، والغناء والفن الايمائي والتمثيل والتراجيدي المسرحي في كفة ديونيزوس.
أطروحة نيتشه عميقة ومطوّلة، لكننا نختزلها اختزالاً مخلاً: فأنا، مثل نيتشه، أرى بالفعل اختلافاً بين الشعر والنحت والرسم، وبين الموسيقى، ان ارتباط الشعر باللوغوس (الكلمة، العقل)، وارتباط الرسم والنحت بحاسة العين (وهي، بحسب دافنشي، أرقى الحواس، وحين تنظر العين للشيء فهي تتحصل علي نوع من المعرفة الحقة، أي معرفة الثابت، والأبدي، وفي هذا تضاد مع طبيعة الموسيقى (المتحولة). التي تثور على هذه الفكرة القديمة الصارمة بشأن المعرفة. ). بينما ترتبط الموسيقى بحاسة السمع (حاسة دنيا بحسب دافنشي). للموسيقى طبيعة دنيوية (دنيا؟)، وهي الأقرب لقوى الطبيعة الغامضة من سائر ربات الفن، وللموسيقى تأثير خطر دائماً: ومجهول، وظلامي، وهي قادرة على استثارة مشاعر السامع، بل دفعه للحركة والايماء والرقص، ودفعه أحياناً للعنف (طبول الحرب). بل ترتبط هذه بممارسات تصوفية، وأورفيوس الشاعر الغنائي، بآداته (الناي)، يسخّر له قوى الطبيعة: فهو يعزف ألحان شديدة العذوبة، تسكن لها الحيوانات والشجر والطير، بل أن شارون ذاته رسول الجحيم يتأثر بألحانه، وسائر مخلوقات العالم السفلى.


والموسيقى عنصر أساسي في التراجيديا الاغريقية، أي: المسرح الاغريقي، وحين نذكر المسرح فنحن نعود من جديد إلى دينويزوس، ويقال: دينوزيوس إله القناع.

أكثر ما يثيرني في المسرح الاغريقي هو أقنعته، وقد تساءل المؤرخون عن سبب التزام الاغريق بالقناع، لماذا يرتدي الممثل قناعاً في حين بامكانه التمثيل من دونه؟ إن أكثر الافتراضات التي تروقني، أن القناع يقوم بعملية (تحويل)، في القناع يتحوّل الممثل من مجرد مواطن اغريقي، أو حتى انسان ينتمي لمجتمع عدائي ومتحيز، إلى ممثل: وهنا بامكانه أن يؤدي كافة الانفعالات الصاخبة بحرية تامة، فالقناع، بحسب الممارسة التصوفية، يستشرف حلول ديونيزوس في الممثل.

القناع المسرحي اذن هو انفصال للإنسان عن المجتمع، وانسحابه تدريجياً إلى قوى الطبيعة الغامضة، أي قوى دينويزوس، أو من على شاكلته (بان، الساتير).

 في رواية (شبح الأوبرا)، إريك عبقري موسيقي، لكن مشوه، نشأ مذ صغره في قبو لدار الأوبرا، مختبئاً عن الجميع، ووجوده مجهول، ويتخذ شكل الاشاعات أو القصص المخيفة، تثير فتاة اهتمامه (كريتسين)، ويتعهد بتدريبها لتصبح مغنية أوبرا شهيرة، إيريك هو (وحش)، الى جانب تشوهه فهو (معاد للبشر)، وكاره للمجتمع، وللشكل المدجن لحفلات الأوبرا، وللمستوى الضحل للمغنيات، فهو يحول كريستين إلى معجزة فنية، عبقرية موسيقية، في فيلم 2004، مشهد ظهور كريستين على المسرح وأدائها للأغنية، وحولها هالة نورانية من قداسة (الفن العصيّ على الادراك البشري العادي). لكن إيريك مثله مثل قوى الطبيعة يملك جانباً ظلامياً، يزداد هوسه بكريستين (التي يقوم بتدريبها على الغناء، دون أن يدرك أحد أن له وجود، فهو في نظر الجميع مجرد وهم أو حتى شبح). في الرواية يبدو إيريك أكثر اصرارا من الفيلم، ويعرب بصراحة عن عدائه لأي انسان يهدد (المستقبل المهني لكريستين كأعظم مغنية أوبرا علي الاطلاق). إيريك مزج بين الساتير وديونيزوس، وعلاقته بديونيزوس تتعدى الموسيقى والقناع، فهو (شبح)، وهذه الحالة الشاحبة من الحياة والموت تذكرنا بحكاية دينويزوس الميثولوجية، حين عاد من الموت إلي الحياة، كما أن فن الأوبرا، كما يراه كل من نيتشه وفاغنر، هو أفضل "استعادة" لفن التراجيديا الاغريقية. و إيريك ساتير حين يسحب كريستين إلى عالمه السفلي (القبو)، ويزداد جنونه بها، حين تقع في حب راؤول، الفيكونت، إن كون راؤول فيكونت يجعله ممثلاً لكل الضحالة الاجتماعية، بمنصبه العسكري، وشكله الجميل المقبول اجتماعياً، وربما ابتعاده تماماً عن عالم الموسيقى، قد يظهر هنا راؤول كـ(أبوللو).



إيريك وقناعه يقع ضمن مجموعة الشخصيات البارونية التي تثير انجذاباً (uncanny) لدى الجمهور الطليعي، وجاذبيته ظلامية، لكنه يعدّ تمثيلاً نموذجياً لمسألة القناع والانفصال عن المجتمع، الانفصال عن المجتمع يبلغ ذروته عند إيريك، فهو تهديد لدار الأوبرا، وتهديد لمدرائها وزائريها، وهو كذلك يشكل تحديا للشرطة، فهو يملك قوته الظلامية، وأسلحته، التي يواجه بها النظام الاجتماعي، ومحاولات الشرطة لفرض نظامها المدني الخاص. ثم يحوّل كريستين إلى (مايناد) خاصة به، التعبير البشري عن عبقريته الموسيقية المستترة. كشكل من أشكال قوى الطبيعة.


إيريك شبح الأوبرا يشكل (حلقة وصل)، من الممارسات المسرحية التراجيدية في عصر الاغريق، إلى شكل البطل الخارق المعاصر الشائع في الكتب المصورة، وإن كونه بطلاً خارقاً، ومقنعاً، ومعاد للمجتمعات، وتهديد للنظام الخاص بالشرطة، به ربط ظريف لأفكار نيتشه عن السوبر مان، والفن الديونيزي، والثورة علي المجتمعات،

كافة الأبطال الخارقين في القصص المصورة، تقريباً، ومن تحول منهم إلى منتج سينمائي، يملكون مزجاً من الساتير والطوطمية والديونيزوسية، الرجل الوطواط (باتمان)، الذي اتجه إلى حالته المقنعة، بسبب حادثة مأساوية في طفولته، قُتل والديه، بينما اختبأ هو لفترة في كهف تحوطه الخفافيش. أو المرأة القطة (التي سقطت من علّ، أو غرقت في البحر، بحسب المعالجات العديدة للقصة)، ثم تجمعت حولها القطط، ويبدو أن عضة قطة حوّلتها.
الأمر ذاته مع الرجل العنكبوت، الذي "تحوّل" بسبب عضة عنكبوت سام.
المشترك بين كل هؤلاء هو القناع، والطوطمية، حين تُعطى للطبيعة قوى خارقة، غامضة وظلامية، ممثلة في قوى الحيوانات، الخفافيش سادة الليل والظلام، أو القطط، بأرواحها التسعة، أو العنكبوت وسُمّه.

كل هؤلاء الأبطال يشكلون تهديداً لنظام المدينة، ويستجلبون ارتياب السلطات، لكن الجماهير تشعر تجاههم بنوع من الانجذاب الـ(uncanny). وجميعهم مثل إيريك الشبح، يملكون تشوههم الخاص، وإن كان نفسياً، فهو انفصالهم النهائي عن المجتمع البشري، واستحالة اندماجهم به بأي شكل، رغم قوتهم النفسية والجسدية، ولهذا أبعاده التراجيدية. يأتي هنا افتراض نيتشه إلى ذهننا، حين يقترح أن التفوق الفني الأقصى، ليس في انسان منتج أو مبدع لأعمال فنية، بل في أن "يتحوّل" الإنسان ذاته إلى عمل فني، وكان يقصد حالة الممثل التراجيدي المقنّع، الذي يُخرج كل انفعالاته وعاطفته بقوة. ونرى أن الأبطال الخارقين لعصر الكوميكس إنما هم، ببساطة، محاولة عصرية لانتاج ما يسمى بالـ"الإنسان التحفة الفنية"، أو هو مجرّد درب آخر، غير مطروق، شكل غريب للعبقرية.

4 comments:

vedette said...
This comment has been removed by the author.
عيلام said...

كانط قال: إن الفنون الجميلة هي فنون العبقري. هذا يعني أني أقتبس الفكرة من كانط، ويعني أيضاً أن الفكرة بها من الرومانتيكية الكثير، نيوتن ليس عبقرياً لأن الآخرين يمكنهم تفسير أعماله، وتحصيلها، وتعلّمها، والانتاج العلمي متواتر، والـ(ابداع) العلمي يرتبط بما يسبقه من ابداع علمي بعلاقة أبوية، وهو ما لا يوجد بتاريخ الفن، وكل تاريخ الفن عبارة عن ثورات، الفكرة (كون الفنان عبقري، بينما العالم ليس كذلك)، تجد تأييداً في محيط الفلاسفة ما بعد الحداثيين، ممن نقدوا ظاهرة العقل الغربي كظاهرة عنصرية، شمولية، إن أوّل شمولي في تاريخ الفلسفة هو السكولائي الذي قال بأن : العقل مرآة الطبيعة، هذا يعني أننا يمكننا تفسير الطبيعة كلّها عن طريق العقل، والعقل وحده: والعقل هنا، لا يعني أبداً هذه الظاهرة العظيمة، والقدسية، للإنسان، إنما ببساطة مجموعة من النسق، الأنظمة والتقاليد المنطقية المقبولة اجتماعياً وسكولائياً.
هكذا تتحول كذلك (اللغة) إلى مرآة، وليست أداة، وهذا ينشأ عنه ظواهر عديدة مثل (الكيتش) الذي ذكرتيه، بما أن كونديرا ذاته من جيل ما بعد الحداثة.
الموسيقى تتغلب علي الكيتش، لأنها ليست ظاهرة (لغوية)، الشعر ظاهرة لغوية، وظاهرة صورية، وتتداخل الفلسفة بين الصورة اللغوية واللغة الصورية، حتى نكتشف (كما يقول رورتي) أن تاريخ الفلسفة كله، إنما عبارة عن تهاويم وصور لغوية تعسفية وضعية. فالشعر إنما هو تعبير ظاهراتي (فيمنولوجي) عن الصور التي تراها العين في الطبيعة، والنحت والرسم صور محضة، لذلك، ربما، يكون هذا قريب مما أشرت إليه بموضوع العلاقة السلبية بين السامع والموسيقى، لو افترضنا أن الشكل الايجابي لعلاقة المتلقي بالشعر والرسم هو ببساطة : التأويل (الفيمونولوجيا). بينما تضرب الموسيقى كل تاريخنا التأويلي في العمق لأنها ليست لوغوس.

ولو سنذكر مجددا المشهد المفضل لي: كلود فرولو المسكين وهو يقول : هذا سيدمر ذاك.
هذا مسكين لأن هذا (الكتاب) سيدمر ذاك (البناء/الكاتدرائية)، وكلا منهما إنما انتاج صوري، خاضع للتأويل اللوغوسي، زميله في السكولائية (توما الإكويني) لا يتورّع عن ابداء ازدراءه للموسيقى (ربما لم يك يتمتع بها أصلاً). معترضا على النشاط الجوقي داخل الكنائس، حين يشغل هذا الناس عن تأمل الأيقونات.

إن الانتاج (العبقري) للعلماء يحوّل مريدينهم إلى مجرد سكولائيين، وحين نريد أن (نسكر) من العلم فإننا سوف نجلس في صفوف دراسية، بينما هذا لا يحدث في حالة الفن، (قد خرج موتزارت سكيراً في شوارع فيينا، وحوله سكارى آخرين، في مشهد ديونيزي للتمتع بالموسيقى).

الشكل السكولائي للعلم وللفلسفة والعقلانية يخيف نقّاد ما-بعد -الحداثة، لأنه صارم، عنصري، ومتزمّت، رافض للاختلاف والابداع، (ميكانيكي). بل ينطلق رورتي بحماس قائلاً: أن كل الثورات الاجتماعية، الأخلاقية، والفلسفية، تنشأ عن طريق فصاحة الشعراء، حين يلفظ الشاعر من هؤلاء عبارة تدخل في الآلة الميكانيكية للغة، ومنها للوعي، المفاهيم والعلم. (هنالك مثال بغيض هو كولريدج : عبء الانسان الأبيض، هه).

كل هذا الكلام لأني تعجبني الفكرة التي عبرت عنها بالشاعرية، لكني، لا أحتاج لأن أختم تعليقاتي في كل تدوينة بتأييدي وانبهاري التام بالعلم. وأن كل كلامي لا يتعارض مع ذاك،


مجيئك هو سعادة كبيرة لي. امتناني العميق لتعليقك الجميل وللاقتباس المفيد، الذي لم أك أعرف عنه شيئاً.

H. M. H. said...

يُقدِم ستيف جوبز تأويله الخاص للعبقرية في عبارةٍ واحدةٍ شهيرة: "أن تحفر ثُقباً في الكون". تثير هذه العبارة حفيظة أي عالم طبيعي، لأن حفر ثقبٍ في الكون يعني تدمير النظام الكوني القائم بالكامل. إنها عبارةٌ مهرطقة كان يُمكِن أن تودي بحياة قائلها في القرون الوسطى. هُنا، يظهر التعارض ما بينَ ما يُفترض أنه عِلم، وما يُفترض أنه عبقرية: العِلم يحفظ، والعبقرية تُدِمر. ليس هذا الحال دائماً، فالعلم يُدمِر أيضاً، لكن التدمير الذي يقوم به مباشر: الفتك بحياة الإنسان، العودة إلى حالة العدم. العبقرية تدمر العدم نفسه لأنها حالة خلق متجددة.
غير أن المسألة ليست بسيطة: نظرية كوبرنيكوس عن مركزية الشمس حفرت ثقباً في نظام الكنيسة الكاثوليكية (الكونية)، ونظرية جاذبية نيوتن حفرت ثقباً آخر فيها، ومن دون شكٍ فإن اكتشافات هراطقة كبارٍ مثل داروِن قد أعادت صياغة الوعي الجمعي البشري محققةً عبارة "ثقبٍ في الكون" حرفياً. لم يكن كوبرنيكوس عبقرياً – مبدأياً – لأن نظرية مركزية الشمس قديمةٌ جداً، لكنه كان مُجدداً لأنه أثبتها رياضياً، وكان شجاعاً لأنه تحدى الكنيسة الكاثوليكية. إن كوبرنيكوس يُحقق مبدأ الشهادة في سبيل الحقيقة، لكنه لم يكن رؤيوياً. الأمرُ نفسه بالنسبة لإسحاق نيوتن، فنظرية الجاذبية مُلاحظةٌ فيزيائية، قدمت تفسيراً للكثير من الأشياء، لكنها لم تُغير العالم. يغدو الأمر أصعب مع داروِن، فالدلائل التي اعتمد عليها للوصول إلى نظرية النشوء والارتقاء موجودة، وقابلة للفحص والقياس والفهم والتعلم. مصدرُ عبقرية داروِن كتابُ [أصل الأنواع]، بكُلِ ما فيه من ومضاتِ عبقريةٍ محضة: إن داروِن يُعيد إنشاء الكون وفقاً لرؤيته هو، ضد رواية الكتاب المُقدس، وضد كُل التراث الثقافي. هُناكَ مثالٌ زمني أقرب: لقد اكتشف العلماء الكهرباء بوصفها ظاهرة طبيعية، ثم قرر إديسون الاستفادة منها وتسخيرها بوصفها مصدراً للطاقة. هُنا دخلت طبيعة إديسون العلمية في صدام مع طبيعة تسلا العبقرية: تسلا يُريدُ الكهرباء في الهواء، بحيث يُمكِن لأيٍ كان أن يغترف منها وإديسون يعتقد أن هذا محض هراء لا يُمكِن اثباته علمياً. بعد قرنٍ من الزمان الآن، يعودُ العُلماء إلى أفكارِ تسلا: إن انتصار طبيعة إديسون العلمية الجامدة على طبيعة تسلا العبقرية الحدسية قد أعاق تطورَ البشرية لقرنٍ كامل. لقد سبق تسلا الجميع: اتصل بالفضاء، تخيل مصادر الطاقة المتجددة السابحة في الهواء، أراد إزالة الحواجز بين المحسوس وغير المحسوس. العلمُ في حالة تسلا كان وسيلة لنقل العبقرية.
السؤال عن نشوء العبقرية في المُدن الإغريقية مثيرٌ للاهتمام. إعدام سقراط لم يكن ضد العبقرية، لأن سقراط لم يكن عبقرياً. أفعال الإسكندر الأكبر ليست عبقرية، وأفعالُ الطغاة عموماً لا يُمكِن أن تكون عبقرية. إن رعاية العلوم والفنون وتشجيع الآداب – وغيرها من أفعال الطغاة – قد أعاقت نمو البشرية أكثر مما أعاقها انتصار إديسون على تسلا، لأنها أنتجت فناً مريضاً واجترته. بينما النظام المتكافئ الذي تتيحه البولِس يجعلُ فكرة التفردِ قابلةَ للتحقق، لأن الفرد العبقري ليس مضطراً إلى تكييف عبقريته وفقاً لأهواء الطاغية. ما يُثير الاهتمام في هذا السياق، أنه في العالم المُعاصر، فإن تحقيق الفرد لعبقريته أسهل في الولايات المُتحدة الأمريكية منه في فرنسا، رغم الفارق الحضاري بين البلدين، ففي فرنسا، تحتكر الطبقة البرجوازية كُل موارد الثقافة، الفن، الاقتصاد، والإعلام، وتحرص على إعادةِ إنتاجِ ثقافتها عن طريقِ نظامٍ تعليمي إقصائي يصلُ إلى درجة العنصرية في تعريفه لما هو "فرنسي" و"ثقافي". الأمورُ في أمريكا أكثر فوضوية، برغم أنظمة امتحاناتهم السادية، ويُمكِن فيها للأفراد العباقرة الازدهار بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية والاقتصادية. طبعاً، تعمل الفاشية الثقافية على تصحيح هذا الوضع حالياً، امتثالاً لنظرية كبلنغ عن "عبء الرجل الأبيض".
بخصوص الشعر واللوغوس، فإن هُناكَ مُلاحظة طريفة بخصوص شعر إليوت، إذ تشيع خرافة بين النقاد مفادها أن شعر الحداثة، وشعر إليوت خصوصاً ذروة اللوغوس، وأكثر مثالٍ يُضربُ على هذا قصيدته [الأرض اليباب]. ما يُثير الاهتمام في هذه المسألة أن [الأرض اليباب] نفسها عبارة عن مونولوغاتٍ غير عقلانية، والشخصياتُ العديدة فيها مثل خطاة هرونيموس بوش: مخلوقاتٌ شبه بشرية، خمايرات. الثقب الذي يحفره إليوت في الكون – بعد مقولته الشهيرة عن المسيح الذي هو نمرٌ لا حمل – يأتي في النهاية، فحتى بعد أن يأمر الرب في مقالة الرعد العالم بالنظام، يتشظى العالم إلى فوضى تامة، "عاد هيرونيمو مجنوناً"، وفي الفوضى يتحقق العالم. إن إليوت (الملكي، الكاثوليكي، الكلاسيكي) يذهبُ في الاتجاه المُعاكِس لكُل ما يُمثلِه اللوغوس.

أشكرك جزيل الشكر على تبصراتك العميقة دائماً.
تحياتي القلبية..

عيلام said...

وجهة نظري الشخصية أن المدينة (البولس) الاغريقي هو المنتج والمحتكر للّوغوس: لو عدنا لنيتشه الذي يصب جام غضبه على سقراط وأفلاطون: بوصفهما السبب في تشويه المسار البطولي، العبقري، والثائر للفلاسفة ما قبل-السقراطيين، ونقل الحركة الفكرية من ديونيزوس إلى أبوللو : فنون المنطق والكلام، المهاترات والجدالات والسجالات التي (يتنمّر) فيها سقراط على محاوريه -حسبما نقله أفلاطون- من السفسطائيين، ويثبت لهم غباوتهم وقصورهم لمجرّد أنه يستعمل اللغة (اللوغوس) بطريقة أكثر حذقاً، وأسرع منهم في القاء التسميات على الماهيات والأشياء، وبالتالي امتلاكها (مثل آدم).

الجدل المنطقي قدّم اللغة كمرآة للطبيعة، وصعّد سلطة اللوغوس، ومن هذا لذاك. بينما يميل الفلاسفة -ما قبل السقراطيين إلى النموذج الشرقي من الحكمة (مثلاً، امبيدوكليس الذي رمى بنفسه في البركان ليثبت عظمته، وفيثاغورث (شيخ الطريقة)، يتقاربان مع زرداشت). والحكمة الشرقية أكثر اتصالا بالطبيعة، والحدسي، والحسّي، والعاطفي، والبطولي، الخ.

يربط مجدداً أفلاطون بين نموذجه للحكمة واللوغوس وبين تحقق مدينة فضيلة على الأرض، وهذا الهاجس يسكن كل العقل الغربي من صاحبنا الأثيني وحتى توماس مور الإنجليزي الكاثوليكي. الفكرة أن الاختلاف بين النموذج الديموقراطي الأثيني (الذي كان أوليغاركياً، يسيطر عليه العسكر وذوو الوجاهة الاجتماعية، مثله مثل باريس)، وبين الديموقراطية الأمريكية، هو ببساطة : البراغما، العمل، أو الطبيعة كذلك.

الفلسفة الاغريقية أو العقل الاغريقي مذ بدايته السقراطية وضع حدّا بين التأمل والعمل، فالذي يتأمل هو الحرّ، المواطن الاغريقي المفكّر، أما الذي يعمل في الطبيعة ومنها واليها فهم العبيد.

هذا التقسيم الأوليغاركي انهار تماماً عند نشأة أمريكا: لأن الكل سافر إلي الفردوس الجديد ليعمل بيده، ونشأت البراغما (كلمة تعني العمل أصلاً) ومنها الفلسفة البراغماتية، والبراغماتية خلاف التصورات الشائعة : ليست النفعية و "يلّا نفسي"، بل في الواقع هي تحقيق الخير العام للمجتمع العامل، بمراعاة الطبيعة والعلم، وبالتوافق مع مصالح ورغبات المجموع الديموقراطي.

هكذا فإن الديموقراطية (وبالتالي نموذج البولس الأمريكي) أبعد ما يكون عن عنصرية وتعسّف اللوغوس/البولس/المدينة الأوروبية، سواء كانت باريس أو روما أو برلين. السلك الفكري الأوروبي يدين كثيراً للأخلاق البرجوازية (التأمل). في حين مفكرون معارضون للنهج البرجوازي مثل ماركس يحظون باهتمام بلدان غير أوروبية أصلاً (روسيا- الصين). التأمل ضد البراغما هو ذاته أوروبا ضد أمريكا، رغم أن القارتين تقعان في دائرة الاستعلاء الغربي عموماً، والنظرة البعيدة تكاد لا تفرق بين أساليبهما.

عدا هذا فأنا أتفق معك فيما ذهبت إليه. إنما أردت أن أوضح وجهة النظر الملتبسة.
كالعادة تعليقك شامل، عرضك رائع ومفيد. جزيل الشكر لك.