Showing posts with label شخصيات مفضلة. Show all posts
Showing posts with label شخصيات مفضلة. Show all posts

Saturday, May 14, 2011

أخبث صنيعة أبدعتها الطبيعة



تحذير: التالي يحتوي سبويلرز لرواية "الأبله"، لديستويفسكي.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"لا أتذكر مشهداً روائياً" أكثر ظلامية من ذاك الذي في نهاية رواية "الأبله" لديستويفسكي، حين يأخد روجوين بيد الأمير مشكين (المقصود بالأبله في الرواية)، إلى حجرة مظلمة في بيت الأول، ليطلعه على جثة ناستازيا فيليبوفنا، بطلة الرواية، وقد قتلها في السرير، بطعنة في الصدر.

وإن كانت الرواية تُطلعنا على الأسباب وراء الأذى النفسي الذي تعانيه ناستازيا فيليبوفنا، مفسراً "قوى الخراب" التي تدفع بها تجاه آخرين - تفسد زواج رجل ثري (لكن منحطّ) من شابة صغيرة، تثير الحرج لآخرين، لكنها، في الواقع، تعيد ترتيب المجتمع الروسي - في زمان الرواية- المزيف، المغلف بأصباغ وادعاءات.

لعل في ناستازيا الشخصية تقاطع مع ربّة الكراهية الاغريقية إريس، في الرواية، يتعرف القارئ لأول مرة على ناستازيا بسبب تدخلاتها لافساد زواج الشخص السابق ذكره، وهو ذاته الرجل الذي استغلّها في طفولتها، -وقد خُرّبت حياتها مذ ذاك- في حكاية إريس شبهاً طفيفاً، حين تبدأ بعدم دعوتها إلى عرس بليوس وثيتس -وتتوالى الأحداث في الأسطورة، مؤدية إلى حرب طروادة. في نواحي أخرى تتقاطع ناستازيا مع إريس، في أن الأولى تدعو بعض شخصيات المجتمع الروسي -في زمان الرواية-، لبيتها، وتحرجهم. ويأتي وصف لإريس مقارب لهذا الموقف، بحسب ويكي:

So, after all, she would invite them to her house turn them into pigs and eat them
ثم بعد ذاك، هي تدعوهم لبيتها لتحوّلهم إلى خنازير، ثم تأكلهم.

ليس غرض الكلام تبيان الأبعاد الميزوجينية الطفيفة هنا وهناك، اذ يبدو لي أن شخصية ناستازيا تتبع ارثاً درامياً أكثر عمقاً، فهي، اذ خُرّبت حياتها، ملأتها الكراهية (أو الحقد) تجاه الغير، ممن أفسدوا حياتها خصوصاً، وهي لا تريد السعادة (بل الانتقام). في الرواية، تبدو وكأنها تثير الفوضى، لكنها في الواقع، تعيد ترتيب المجتمع بالشكل الصحيح - في وجهة نظر ديستويفسكي، في مشاهد مثل حرقها المال المقدّم لها لكسب ودّها، يتناص مع مشهد آخر يحكي فيه قصة: (رجل يفسد علي آخر فرصته في كسب ود امرأة، حين يشتري كل ما تبقى من ورد الكاميليا، الذي ترغب به والذي يعدها به الثاني.)  ومشاهد أخرى توحي بالمعالجات السينيكية التي يقدمها ديستويفسكي لموضوعة العاطفة وكسب الود، والحب، لأنها في اطار المجتمع الفاسد، ذاته. ولأنها تسير بقواعده، فهي فاسدة كذلك، بالضرورة.

يبدو لنا أن ناستازيا أداة أناركية، فهي، ليستْ مثل شخصيات سبق تقديمها، راعية/قديسة/باعثة لطاقة ايجابية/تعطف على المنبوذين - (مارغاريتا، ازميرالدا، الخ) هي في الواقع تُفسد حياة كل هؤلاء - داخل العمل الدرامي- لمصلحتهم، كنوع من التنوير/التطهير الأناركي، كأداة درامية، لا يستخدمها الكاتب استخداماً تقليدياً (كما الحال مع شخصيات أنثوية أخرى، تظهر كشخص ملائكي يكرّس -في الواقع- للقيم المحافظة، باعادة الأمور الخيّرة إلى نصابها وازاحة الشر). بل تأتي ناستازيا إلى مجتمع محافظ، متفسخ، من الباطن، لتدمره وتعيد تشكيله من جديد. فالشر/الظلامية النفسية موجودة، وما السبيل لتطهيرها إلا المزيد من الظلامية المتطرفة/القصوى.


الأمير مشكين في لقاءه الأول معها يُحدث "شرخاً" في الآيدولوجية الظلامية الخاصة بأناستازيا، هو مستعد لأن يحبّها حباً غير مشروط. وأن يقبلها على ما هي عليه. وهي، تميّزه، عن الرجل الآخر الذي يحبها "روجوين"، ورغم أن روجوين ملطخ حتى رأسه بالمجتمع ذاته الذي تحتقره ناستازيا، إلا أنها تعتبره من نفس طينتها. روجوين هو أداتها في اتمام "الطقس التطهيري الأعظم" للرواية، والكاتب يفسّر لنا سبب ظلامية ناستازيا، ومصدر الطاقة السلبية التي تحرّكها، في حين لا يعطي تفسيراً بذات القوة لأجل شخصية روجوين، إلا اقتراح عابر، من الأمير مشكين: "أنه مهووس، ولو لم تظهر ناستازيا بحياته، لانشغل بهوس آخر، بجمع المال، مثل أبائه وأجداده."

الهوس (الوسواس القهري..اذن) بما تتضمنه الحالة من "طقوس" عصابية قهرية يتوازى مع الغائية التي تحرّك شخصية ناستازيا، هي تريد أن تموت مذ أول ظهور لها في الرواية، لا تريد أن تحيى، يُقدم لها خيار الحياة السعيدة، الهانئة، بما سوف يمنحه لها الأمير ميشكين من حب صادق، لكنها تهجره -بعد أن تسبب له حرجاً اجتماعياً- حين تهرب في ليلة عرسها عليه، مع روجوين. طقوسية روجوين تظهر في مشاهد مثل أنه: (بعد أن يضربها، يركع علي ركبتيه أمام باب حجرتها المغلق، طالبا غفرانها، وهي، تعلّق ساخرة على وضعيته الطقوسية، ضاربة مثل بحكاية عن رجل يطلب غفران البابا.)

رغم أن روجوين (بوصفه شخصية مهووسة، ولأنه اعادة انتاج لشخصيات أخرى=عطيل) تستبد به غيرة جنونية حين يعلم بالحب المتبادل -ظاهريا- بين مشكين وناستازيا، بل أنه يؤذي مشكين، ويتشاجر معه، ويبدي نية قتله، لكن قتل مشكين لا يتوافق مع "النموذج" الذي سوف تسيّره ناستازيا لأجل مشروعها التدميري، ترى ناستازيا أن مشكين لا يجب أن يتواجد في مثل ذاك المجتمع، وأنها، لو تزوّجته، سوف تفسد حياته، فهو برئ، هي ترى هذا، لكن ديستويفسكي لا يريد ببساطة أن يتزوج مشكين بناستازيا، بعد أن ورث مالاً وفيراً، وهو سوف يوفر لكليها حياة رغدة (وفقاً لقواعد المجتمع) سوف يُدّجن كل من مشكين وناستازيا (الشخصيتين الأكثر تفردا واختلافا عن المجتمع حولهما، والأكثر مساءلة أو اتهاماً لهذا المجتمع).
ورغم أن الزواج كان ميسراً، وأن روجوين انسحب - لماذا انسحب؟ هذا ما نجيب عليه، قد وصل روجوين إلى الطمأنينة، لأنه نال تنويراً مبدئياً، أو لأنه فهم أخيراً ناستازيا، التي عجز عن أن يفهمها غيره، بمن فيهم مشكين، روجوين يعرف ما تريد، بالضبط، الخراب.

في حين أن الطمأنينة لم تدرك ناستازيا بعد، لكن، من ناحية أخرى، هي في طريقها للزواج بمشكين، وعيش حياة سعيدة ظاهرياً، وها هو روجوين ينسحب للأبد، لكنها، تقول: "أشعر بعينيه تحدقان بي وسط الناس."(تقصد روجوين). بل هي تعرف بوجوده بين الحشد، في عرسها، وتقفز إليه طالبة منه أن يأخذها بعيدا.

يكتمل الطقس الأناركي الخاص بناستازيا، حين يحقق لها روجوين ما تريد: يقتلها، أما مشكين، فيصاب بالصدمة، التي تعيده أبلهاً، فقد بدأت الرواية، بتعافيه ظاهرياً، وعودته من مقر علاجه بسويسرا، إلى روسيا، كي ينال ارثاً وفيراً. فالنظرة الأولى للرواية توحي أن غرضها عرض "عاهات" المجتمع الروسي في ذاك الحين، الذي يتحلق حول مشكين ذي المال، بعد أن نبذه في البداية، يجن مشكين من جديد، وبطبيعة الحال يفقد ارثه، ويعود مريضا في مصحاً عقلياً. وناستازيا، بعد أن ماتت، لم تك لتحلم في حياتها بأن خطتها الأناركية-التطهيرية سوف تتحقق بهذا الكمال: حتى آغلايا، الفتاة الحلوة، ذات النسب، والتربية المحافظة، التي رغبت ناستازيا في أن يتزوجها مشكين بدلاً منها، "تتحرر" من القبضة السخيفة للمجتمع ولعائلتها، وتهرب مع رجل بولندي، بل تنخرط في نشاط سياسي مشبوه.

من حين لآخر يدور حديث مكبوت في الرواية عن "قضية المرأة". ويبدو أن ديستويفسكي أراد أن يقدم نموذجا فيمنيزمياً مبكراً، وإن كانت ناستازيا هي الُمصلِح الأخلاقي الخاص به. وهي سيئة السمعة، فإن النموذج الأناركي لها يكتمل حين تهرب آغلايا (بذلك، حلمها في الهروب من عائلتها، الذي تتحدث مع مشكين عنه، هو الحلم الوحيد الذي يتحقق داخل الرواية). وتعيش حياة فوضوية. مقوّضة المجتمع. على الجانب الآخر، تحمي ناستازيا مشكين من أن يفسد المجتمع روحه النقية، بأن تسبب له جنوناً، فيعود منعزلاً في مصح. أما روجوين، فهي تقدم له الشيء الذي يشترك معها فيه.  الـ"todestrieb"، يتحول مجرماً، ويواجه حكماً بالاعدام.

لعل العلاقة العجيبة بين ناستازيا وروجوين هي ما تدور حوله الرواية فعلاً. "الخراب المتبادل". كلاهما يرضي الآخر، عاطفياً، لأنه يضمن له الدمار الذي يرغب به، إنها ليست حتى علاقة سادو-مازوخية، بل أكثر ظلاماً، لأن أبعادها طقوسية، وديوستويفسكي بهذا النموذج يعطي ايحاء بـ"التأثير السحري، الأسود للعاطفة.." ولعل في هذا تناص مع أفكار نيتشيه عن الديونيزية، فالعاطفة، طاقة ظلامية (شبه شامانية)، قوى طبيعية تحرّك الشخصيات، مثل سحر، فلا ناستازيا تكبح جماح نزعاتها التدميرية، ولا روجوين يكبح هوسه الجنوني بناستازيا، الذي يؤدي به إلى قتلها (غيرة؟ حباً؟) ولا شك أن ديستويفسكي يستقي عناصر من حكاية عطيل. ولا أجد اقتراباً درامياً معاصراً أفضل، من رواية ارنستو ساباتو "النفق"، عن رسّام، يقتل حبيبته، والرسام في الرواية ميزآنثروبي مهووس، أما الحبيبة، فهي تحيى حياة عجيبة -يصعب على البطل الرسام فهمها- إنها متزوجة من رجل أعمى، تقيم علاقات مع غيره، بل أن رجلاً - قبل الرسام- ينتحر بسببها، ويبدو أن الحبيبة البطلة تمارس طقسا تنويريا/تطهرياً على طريقة ناستازيا، حين تستمر مع رجل مهووس- وهي تعرف بمرضه، وحين - في مشهد النهاية- تستقبل طعنته لها بالسكين، في السرير كذلك، (كما الحال مع عطيل الذي يخنق ديدمونة في السرير - أو، روجوين كما وُضّح من قبل). لعل أحسن ما بالأمر هو عنوان الرواية "النفق"، يذهب النقاد إلى اسقاط مفهوم النفق -سيكولوجياً- على الطريق الظلامي، المهووس، الذي يؤدي برجل عاشق إلى قتل حبيبته، لكنا نرى أن النفق يحمل معناً ميتافيزيقيا (الضوء في آخر النفق..) ورغم أن الرواية، بالمقاييس المبدئية، مثلها مثل رواية الأبله: في مسألة أن "آخر النفق" هو المشهد الأكثر ظلامية على الاطلاق بالنسبة للقارئ، لكنه في الواقع، التنوير/التطهير الخاص بالشخصيات، شخصيات تحركها نزعة الموت، تحقق خلاصها الشخصي، بطريقة مؤلمة. 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العنوان من ترجمة ممتازة لفقرة يوجّه بها عطيل كلامه لديدمونة، قبيل قتلها، في مسرحية "عطيل" لشكسبير

Friday, November 12, 2010

المخلوقة الجميلة في الرداء الأبيض/٢

لا أتذكر مشهدا روائيا أفضل من ذاك الفصل، في رواية المعلم ومارغريتا، للروسي بولغاكوف، حين راحت مرغريتا تحطم كل نوافد البناية، التي تحوي شقة رجل تسبب في ضياع المستقبل المهني لحبيبها. كأديب وروائي.
لكن كيف؟ على مقشّة سحرية، بعدما دهنت جسدها بمرهم أعطاها إياه "فولند"، أو الشيطان في الرواية، واستعادت شبابها، واكتسبت قوى ساحرة.

مارغاريتا، مثل "سوبر-غيرل/ليدي" كلاسيكية، روّعت الجميع، في البناية، في الشارع وفي موسكو، إلا طفلا صغيرا ينام وحده في البرد، في شقة ما من البناية المكروبة، إنها غير-مرئية، لكن الصبي أحس بوجود إنساني، وخاطبها على أنها عمّته. تهدئه مارغاريتا وتساعده على النوم.

اسم مارغارتيا مستقى من القصة الفلكلورية الجرمانية الأشهر، فاوست، وهو أصلاً لفتاة تدخل إلى "التابلو" المانوي بين فاوست وميفستوفيلس، المزاج الشعبي يجعلها ميتافور للخطيئة، وعقدة الذنب لدى فاوست، لكن غوته يخلع عليها أدوار أكثر قوة: الموازن.
إنها موازن لأن في نسخة غوته من فاوست، خلاص فاوست متمثل في حب مارغاريت/غريتشن له. يدخل الحب كعامل رومانتيكي، من شاعر ميوله رومانتيكية، في الصراع الصارم والكابوسي بين النور والظلام، الخير والشر، إلخ.

فولند وزمرته في رواية "المعلم ومارغاريتا" يشير صراحة إلى بحثه عن سيدة تحمل اسم مارغاريتا، في موسكو، لتأخذ دور "ملكة" وراعية لحفلته العجائبية. حفلة "في العالم السفلي" تضم أموات قادمين من الجحيم، لكن لماذا مارغاريتا، في الرواية اشارات مثل" لم نجد من هو أكثر مناسبة منها"، ويبدو أنهم يبحثون عن مواصفات معينة لهذه الراعية/الملكة، أن تكون عاشقة.

في الرواية كانت مارغاريتا على استعداد بالقيام بهذه المهمة العجيبة، والبغيضة، لأنها تتوقع أن تحصل على شيء، أن تجد حبيبها مجدداً، الذي فقدت الطريق إليه، ولم تعد تعرف عنه شيئاً، وهذا ما يحدث.


تتقاطع "مارغاريتا" كشخصية استثنائية مع الإرث الميثولوجي المصري القديم، تحديدا في شخصية "ايزيس"، ايزيس ذاتها مرت بتحولات كثيرة، ولا يمكن وضع معالم، حدود واضحة أو صارمة ترسم أبعاد لا تُخطيء، لكننا نتحدث عن الصورة النهائية لها التي ترسخت خصوصا في المعابد التي شيدت على شرفها في روما. "ايزيس" بحسب بلوتارك ومؤرخين آخرين، هي ملكة العالم والراعية له. وكما هي راعية "للمخطئين"، فهي ترعى المرضى واليائسين، والفقراء والأغنياء، على حد سواء. ما يهمنا هو الجزء الفلكلوري من تاريخ ايزيس، كحبيبة لأوزر، إن ايزيس لا تكتسب أهمية واضحة إلا حين يُحوّل الخيال الفلكلوري "سيث"، راعي مصر العليا، إلى ممثل للشر، القصة تكتسب أبعاد مانوية فتدخل ايزيس كموازن، بل هي البطلة الوحيدة للحكاية الميثولوجية الأهم تقريبا في الديانة المصرية الوثنية القديمة، الأمر لن يختلف كثيرا عن مارغاريتا، ايزيس العاشقة تفعل كل عجيب لتنقذ أوزر، ولـ"ايزيس" علاقة وثيقة بالسحر، تختلف عن الدور "الابيستمولوجي" لـ تحوت مثلاً، حين يأخذ دور المُعلّم، ايزيس تملك القوة السحرية -بحسب المصري القديم- التي تعالج، تنقذ، وتفعل الأعاجيب لنصرة الخير.

و ايزيس تكتسب قواها السحرية حين تستخدم الثعبان "وادجيت" للدغ رع، والحصول منه على اسمه السرّي، مهددة اياه لأنها الوحيدة التي تعرف علاج سم وادجيت، ايزيس تلعب لعبة خطرة جداً في الميثولوجيا لكن، كل هذا لأجل اعادة أوزر إلى الحياة. ومن أوزر، ايزيس تكتسب علاقتها بالعالم السفلي.


دور ايزيس، يتمثل، كما هي الشروح الحديثة للميثولوجيا، في استعادة النظام لعالم وقع في فوضى اثر انتصار "سيث"، أو عالم فقد مبادئه، لأنه لم يعد يفرق بين الخير والشر، كلا منهما فقد معناه وتحول إلى مجرد صراع بين قوتين، بين جانبين مفرطي القوى، ولم يعد ذاك الصراع يهم الإنسان العادي، شديد الضعة والتعاسة في شيء. الحب، العاطفة والأمان الأمومي هو ما يكسب هذا الصراع المعنى الوحيد.

في رواية كـ"المعلم ومارغاريتا"، التي، بحسب النقاد، تعتبر تعبيرا عن استهجان وغضب انساني من ضياع القيم في وطن فاقد لهويته، روسيا الشيوعية، حين يقف المثقف، أو من هو، كما يفترض،  الشخص "المُمَيِّز"، يقف هذا المثقف وغيره بلا مبالاة أمام جرائم النظام الشيوعي ضد الأقليات، وضد الجميع تقريباً، في فترة تتميز بصراع بين القوى، شديد العبثية وخال من أي معنى انساني، (الشرق الشيوعي، الوسط الفاشي، والغرب الرأسمالي)، تأتي شخصية مارغاريتا كاستعادة للدور القديم، والمتجدد، لشخصية "راعية" ومتوازنة تصنع " النظام من الفوضى"، وفي الرواية، النهاية السعيدة إنما المحرك الرئيسي، والمسبب لها، هو مارغاريتا، إن النظر في دور مارغاريتا في الرواية كذلك يلقي بالضوء -بشكل ريتروسبيكتي- على سر اهتمام المجتمع الروماني، الغربي المفرض في غربيته وعقلانيته، المعادي للشرق بطبيعته، حين يحتضن شخصية كـ"ايزيس"، في عصر فوضوي، في ظل تصارع عبثي للقوى بين روما وبين كل ما عداها.

Sunday, June 13, 2010

لماذا كلود فرولو؟


The Bewitched Man (1798)(1) - Francisco de Goya


مُدخل

نشأ فرولو تلميذاً مجتهداً، وفقد والديه اثر الطاعون، وتركا له أخاً أصغر، يصبح فيما بعد موضوع اهتمامه ورعايته، ويتقدم في دراسته الإكليريكية، ليؤمّن مستقبلاً مريحاً لأخيه، تُظهر الرواية الجانب الطيب، العطوف، لكلود فرولو حين يجد طفلاً مشوهاً مرمياً على عتبة نوتردام، فيوؤيه، ويرعاه ويتبناه، ويمنحه اسماً، كوازيمودو، ويحرص على مدّه بالقسط الجيد من العلم.

يحصل كلود فرولو على منصب رئيس الشمامسة، ويضعه هذا في مكانة اجتماعية محترمة، المنصب الديني يتيح له السلطة، لكن هذه السلطة ( لا تشبعه أو تحقق له الرضا)، بل ترمي به في عزلته أكثر فأكثر، وتجعل تعاطيه البشري أفقر، المزيد من الحواجز ترتفع بينه وبين الناس، كما أن العامة ينفرون منه ويجدونه مخيفاً

فرولو شخصية عميقة، باطنية، شديدة الشغف بالمعرفة لدرجة الهوس، فقد تفوّق في دراساته الجامعية، وتقدم في السن ليصبح خبيراً باللاهوت، الطب، الفلسفة، الآداب، الخيمياء، يجيد اللاتينية، اليونانية، العبرية، الى جانب لغته الفرنسية

الخيمياء


في مشهد يروي زيارة طبيب الملك، والملك ذاته (متنكراً في شخص طالب علم)، لحجرة كلود فرولو الخاصة، الموجودة في زاوية علوية من برج الكاتدرائية، والتي يقال- أنه يمارس فيها تجاربه الخيميائية- يطلب الملك نصيحة طبية من فرولو.
لكن الأخير يرد باقتباس : الطب ابن الأحلام - جامبليك
يبدي الطبيب اعتراضه، فيستطرد كلود في حوار طويل، أنه لا يؤمن بالطب، ولا يؤمن بعلم الفلك (الذي أخذ شكل التنجيم في هذه الأزمنة القروسطية)، حجته بشأن الأخير عقلانية، فهو لا يجد أي منطق في امكانية أن يؤثر نور النجوم على حيوات الخلق، لكنه في استطراده بشأن الطب، يعلق على عدم جدوى أساليب الأطباء، ويخلص الى أن الجسد البشري، وكل ما يتعلق به، ظلام.
والنجوم ظلام، أما عن فرولو، فهو يؤمن فقط بفنون الخيمياء، وتحويل الرصاص إلى ذهب، على حد قوله، فالذهب هو النور الحق.

يعلق طبيب الملك، هامساً في أذن الملك، هذا الرجل مجنون، كما أخبرت.
ويوافقه الملك على ذلك في النهاية.

ربما يكون موقف فرولو من الطب سببه موت والديه بالطاعون، لعله فقد الثقة بالطب لأن الأساليب الطبية العادية لم تنفع في حالات الوباء.
بغض النظر عن الاضطرابات النفسية لدى فرولو، شخصياً لا اعتراض لدي على الخيمياء، فأنا أحسب أن الخيمياء علم، علم حقيقي، لكنه علم باعث على الاحباط، والكآبة، الخيمياء مذ نشأتها السكندرية (المصرية)، كانت بغرض تحويل المعادن الرخيصة الى ذهب، وكل التجارب والكتابات، سواء الصوفية، الغنوصية، الهرمزية، أو الروزنكروزية، كانت لأجل ذاك الغرض المحض، حين أتى الزمان الذي نُظر فيه لهذه الفنون/العلوم نظرة ريبة، اضطر كُتّابها وممارسيها الى استخدام مصطلحات صوفية، أو لاهوتية سرانية، مثلاً، في القرون الوسطى كان يستخدم مصطلح الثالوث المقدس في بعض الكتابات الخيميائية، تحت عين أي مفتش ديني سوف يمر المكتوب مرور الكرام ، لكنه كان (سين) خيميائية، يشار بها الى : الزئبق - الكبريت- الملح.

والثلاثي الكيميائي ذاته كان له معني فلكي/تنجيمي، فهو يشكل الرمز الفلكي لكوكب عطارد، أي هرمز(2).

في الرواية يظهر كلود فرولو كباحث خيميائي شغوف، سبق و حَفَر تحت بيت أحد ممارسي الخيمياء القدماء-بعد موته- بحثاً عن، حجر الفلاسفة.
ما دمنا وصلنا لمرحلة حجر الفلاسفة، فيمكن لنا القول بأن شخصية كلود فرولو كانت تعاني من (مرض المثالية)، قبل أن يتوقع أحد امكانية تحول المثالية الى مرض مؤذ للغير، المثالية كانت شيئاً جيداً في العصور الرومانتيكية الجرمانية- القرن السابع عشر، هنالك أشكال كثيرة للمثالية، هنالك مثلاً المثالية الأفلاطونية مثل التي لدى دانتي، هنالك مثالية وطنية، في كل أشكال المثالية هنالك عملية (تحويل)- ربما بالمفهوم الخيميائي، قد تتحول البلد، الوطن الى الحبيبة المثالية العلوية، قد تتحول الحبيبة الأرضية الى قديسة في السماء (كما في حالة دانتي)، الخيمياء التاريخية ربما هي تحول الممالك الأوروبية الى أوطان بالمعنى الحديث، (التحول) أو الخروج من شرنقة الكنيسة الكاثوليكية، عموماً كلها صور من التطرف المخيف




البداية


نظن بأن كلود فرولو أصيب باحباط علمي، فهو يؤمن بالخيمياء، ويؤمن بامكانية صناعة الذهب معملياً، هكذا فهو في سن ٣٦، يخرج من تجربة علمية فاشلة، بالنسبة اليه هذا شيء جلل، فموضوع حياته الرومانتيكي، العلم، وحصل على شهادات الكليات الأربع العليا (لاهوت - طب - قانون - فلسفة)، بالنسبة لشخص متعوس بالفطرة، فقد والديه في سن صغير، اضطر الى العناية بأخيه الأصغر- الذي يشب ليصبح فتى عابثاً مهملاً في دراسته، يلطخ اسم ((فرولو)) الذي لطالما ارتبط بشخصية محترمة ومتحفظة في المجتمع الباريسي، بالاضافة الى صمم كوازيمودو، الصبيّان موضوع اهتمام كلود ورعايته صارا مصدراً لخيبة أمله.

حين كنت أدور في ويب بحثاِ عن مجتمعات مهتمة بكلود فرولو، نبهني بعض القراء هناك لمآسي فرولو العاطفية عموماً، فهو شخصية ((عطوفة))، قادرة على منح ((الحنان الأبوي، عن جد؟؟؟))، لكنه في النهاية يصبح شخصاً كريهاً باعثاً على النفور والتخوف في محيطه الاجتماعي. أي أنه لا يجد مقابل لما يعطي.


كل هذا التحليل العاطفي لم يك يهمني بقدر ما يهمني الميل المثالي المتطرف لديه، لو جئنا لازميرالدا، الغجرية، نعرف أن الغجر قد اكتسبوا تسميتهم من (مصر)، كلمة (جيبسي) هي النطق الاسباني المحور لكلمة مصر، مصر ترتبط بالتاريخ الخيميائي، فالخيميائيون الأوائل يظنون أن هذا العلم نشأ أصلاً في مصر القديمة، في رواية بندول فوكو لامبرتو ايكو، يورد الأخير معلومات عن ((أخوية بيضاء)) اعتادت على ممارسة الخيمياء في مصر القديمة، كما أن هرمز الهرامزة، أول كاتب خيميائي في التاريخ، كان يُربط بينه وبين (تحوت/ الكتابة والسحر) عند المصريين القدماء، الواقع أن هرمز هو المقابل اليوناني لتحوت المصري.

في العهد الهيللينستي تتحول الاسكندرية الى منشأ للخيمياء بشكلها الابيستمولوجي، يُعتقد أن كتاب هرمز الهرامزة (الجدول الزمردي) كُتب في ذاك الوقت، كما أن هنالك العديد من الكتاب الغنوصيين الذين اهتموا بالخيمياء عموماً، مثل فيلون اليهودي وغيره، لا أظن أن نشأة الخيمياء كعلم نظري في الاسكندرية له علاقة بمصر القديمة، أو مصر عموماً، بل بسبب مكانة الاسكندرية كجاذبة للعلماء والفلاسفة والفنانين، وكبوتقة انصهرت فيها الخزعبلات الشرقية بالابستمولوجيا الغربية.


اسم الوردة

اسم ازميرالدا يعني : الزمرد، وهذا يأخذنا الى كتاب هرمز الهرامزة (الجدول الزمردي)، هنالك تبطين (خيميائي) عام في قصة التورط العاطفي لكلود فرولو، فكما قلنا توقيت أحداث الرواية يقع بعد خروج فرولو من احباط علمي، وصار يناسبه أن يبحث عن (احباط آخر)، علم النفس الحديث يرى أن سبب (فشل تجارب) الناس، سواء نفسية أو عاطفية، بشكل متكرر، أنهم يودون اصلاح فشلهم السابق باعادة التجربة السابقة بحذافيرها، هذا يجعل احتمالات الفشل عالية كل مرة، وتحليل كهذا طريفٌ جداً حين يُطبّق على فرولو، لكني لا أمنع نفسي من تذكره حين أفكر أن كلود فرولو يخرج من احباطه العلمي ليقع - وكأن الأمر متعمدٌ- في احباط عاطفي.

السن

فرولو وقت الأحداث المريرة كان في ال٣٦، مرة أخرى، في رواية بندول فوكو، هذا الرقم مرتبط بفرسان المعبد،(رهبان بندكتيون محاربون في الحملات الصليبية، ونشأت حولهم أسطورة البحث عن الكأس المقدسة، وبعض الاشاعات الغرائبية التي تحولت الى اتهامات بالهرطقة والانحلال، وحُكم عليهم بالاعدام حرقاً)- (في الواقع، أرى أن الكأس المقدسة هي الشكل العتيق/الديني لحجر الفلاسفة، المفهوم العلمي، وفرسان المعبد ليسوا وحدهم من بحث عن الكأس المقدسة، ربما بحث عنها قبلهم فرسان الطاولة المستديرة)، الواقع أن لهذا الرقم معان أخرى، لكن من ضمن أسباب تنامي الاهتمام لدي مؤخراً بكلود فرولو، أن تلك الرواية ذكرتني به، فهي تدور بشكل ما عن الهوس المعرفي، الهوس عموماً بشيء مثالي أو شيء لا ينتمي الى هذا العالم، الشيء، لنتخيل مجموعة من الفرسان يبحثون عن الشيء، الشيء، ما هو الشيء؟ نحن جميعاً نبحث عن الشيء، البشرية مذ أول معالم للحضارة تبحث عن الشيء، في الحقيقة، أن يتخذ الشيء شكل كأس مثله مثل أن يتخذ شكل حجر، فالكأس يحوي الدم، والحجر هو الشكل الأولي لأي حضارة، الدم مرتبط أكثر بالميول البدائية العضوية

فتجربة شرب شيئاً ما - ليكن دماً مقدساً- يحوي السر، مثلها مثل التجربة البشرية الأكثر حداثة، وهي العثور على حجر يحوي السر، فلا أتخيل شيئاً كانت التجمعات القبلية تفعله، قبل اكتشاف النحاس وتتطويعه، سوى شرب دم بعضهم بعضاً.



الهوى


كاتدرائية نوتردام جسّدت حجر الفلاسفة في حياة فرولو، فهي رمز للحضارة الانسانية، كذلك رمز للسماء، وقد تتخذ الكاتدرائية الشكل التجسيدي لرمز (هرمز)، في الأعلى تقبع حجرة فرولو التي يمارس بها قراءاته وخيميائه (الذهن)، في الأسفل قليلاً نجد أجراس الكنيسة، ونجد كذلك جوف سقف دور العبادة حيث تتصاعد أصوات التراتيل الباعثة على الرهبة (الروح)، في قاعدة البناء نجد المذبح (الجسد).

في المشهد الذي يفرد له امبرتو ايكو مقالة كاملة، يقول فرولو : واحسرتاه، هذا سيهدم ذاك، هذا (المقصود به الكتاب)، وذاك (الكاتدرائية)، وقد يعني أن الكتاب سيوفر وسيلة أخرى للتأمل بدلاً من دور العبادة، وقد يعني أن الكتاب سيكون سبباً في ابتعاد الناس عن دور العبادة عموما (النهضة)، أو أي سبب نهضوي آخر.
فرولو محمل بالهموم المعرفية والرومانتيكية، فلا هو وجد حجر الفلاسفة الخيالي، ولا هو يضمن بقاء حجر الفلاسفة الوحيد (الحقيقي).



في هذه الأثناء، يجد فرولو شيئاً غرائبياً، شرقياً، منيعاً، محرماً، شائكاً، شريراً، ولكنه طاهر، بريء ومذنب، يجد ازميرالدا ترقص في الساحة أمام الكتدرائية، انها (تجّسدٌ) محضٌ لكل شيء، هي الظلام، لأنها جسد، وهي النور لأنها جميلة، هي الشرق وهي الغرب، هي الأرض وهي السماء، فهي شكل مشع ومنير لكل المباهج الدنيوية، برقصها وغنائها، وهي معذبته ومطهره الأرضي.
وبعيداً عن الرؤية القروسطية للمادة، فرولو بصفته (مثقف) قروسطي فلا نستبعد وقوعه تحت تأثير الرؤى الأفلاطونية (اليونانية)، وبهذا قد يجد في الجمال (السموّ الحقّ)/المثال، وأن الشيء الخيّر هو بالضرورة جميل (على حد تعبير أفلاطون)، اذن الجميل هو خيّر. (3)
وجد فرولو (أخيراً) شكلاً واقعياً لموضوع هوسه المزمن، فلا هي حجر فلاسفة خيالي يمضي الليالي في التجارب الخيميائية وسط الروائح الخبيثة بحثاً عنه، ولا هي شيء سوف ينقب عنه في الأرض، ولا هي حجر جامد أخرس، صلف، يقف على حافة التحول الفكري الغربي، يملؤه بالهم والثقل الروحي، ومسؤولية حفظ مكانته الدينية واحياء طقوسه، بل هي أبسط من كل هذا، وأعقد من كل هذا، والأهم، هي حجر الفلاسفة الذي يمكن لمسه


الشر


ليلة التحول الأخلاقي لفرولو، حين يطعن فيبس بخنجر، يمضيها متتبعاً أخيه أولاً، الذي يلتقي بفيبس، يخبره الأخير عن لقاءه بالغجرية (التي لا يستطيع تذكر اسمها حتي)، لقد شاهدهما فرولو - فيبس وأخيه- كل الليلة يعاقران الخمر، لا شك أن فيبس كان موضوع حقد فرولو، فهو شاب، جميل، ضابط، ويجد عائداً لتعبه، ويحصل على المجد اللحظي، وعلى اعجاب الفتيات، وهو المترف، العابث المتفسخ السفيه، قد حصل على حب ازميرالدا، والمشكلة أنه لا يقدّر ما حصل عليه، فنظرته لازميرالدا مختلفة عن نظرة فرولو، بالنسبة له هي فتاة سوف تأتي غيرها، بل أن لديه غيرها بالفعل، حين يعترض فرولو طريقه في المساء قبل لقاءه بازميرالدا، يسأله، أنت حقاً ذاهب اليها؟ وحين يجيب فيبس بنعم، يثور فرولو (ونلاحظ أن كل ثوراته - حتى هذه الليلة- داخلية)، يتهمه فرولو بالكذب والخداع، (فيبس) كي يثبت له صدقه يعرض عليه أن يرافقه الى حجرة الموتيل، كي يرى بنفسه أنها ازميرالدا، هكذا فقد بلغ استهتار فيبس بها هذا الحد، يراقب فرولو عبارات الغرام المتبادلة، فتثور ثورته ويطعن (فيبس)

قد كان أمام فرولو عدد من الخيارات الأفضل، فلو كان دنيئاً كما يعتقد أغلب من قرأ الرواية، أمامه التصرف بمكر، وأمامه أن يستخدم سلطته منذ البداية، ومن قبل الحادثة مع فيبس، فهو (لا يسيء استخدام سلطته) الا بعد ارتكابه الجريمة وبعد خراب مالطة.


فرولو يتصرف بهذه الغباوة المميزة لتصرفات العشاق، من لم يجد تصرف روميو بارتكابه الانتحار المتسرع، تصرفاً غبياً؟

الانحلال، أو سقوط فرولو الأخلاقي لا يبدأ الا بعد ارتكابه جريمة القتل، منذ هذه الليلة وقد سقط فرولو أمام فرولو، وبات يعد نفسه مجرماً أو وحشاً، و صار على استعداد للمضي قدماً في هوسه المدمر.


الحادث الآخر الذي يهز فرولو عاطفياً هو تعذيب ازميرالدا، حين كانت تُعذب في حجرة، بتهمة ممارسة السحر والقتل، بتهمة ارتكبها هو، بينما يقبع في الحجرة المجاورة، وكلما تصاعدت صرخات ألمها، يمزق فرولو صدره بسكين، ويقول، لو هي صرخت أكثر سوف أقتل نفسي.

وحين يدخل لزنزانتها، أولاً كي يبوح لها بمشاعره، ثم يريها جرح صدره (علامة على صدقه)، يجد منها رد فعل جاف، فقد عرفت أنه من أوقع الأذى بـ(فيبس) ، وتطرده قائلة أنه قبيح وعجوز. بينما فيبس شاب وجميل.


سلوك فرولو (الجذري) يزداد تطرفاً، حين يصير في نظر نفسه شيطان، وفي نظر ازميرالدا شيطان، ولا يعود يجد حرجاً من التصرف بـ شر حقيقي، ويتمادى فيعرض على ازميرالدا خيارها الأخير، اما هو أو الموت حرقاً، وترد هي أنه -فرولو- يخيفها أكثر من الموت.



المثير للدهشة أن شره مغلف بعاطفة مشبوبة، ومثيرة للشفقة، فمن يقرأ فصل (الحذاء الصغير)، بتفهم، لا يمكنه أن يعد فرولو شريراً حقيقياً، مونولوغه أمام ازميرالدا مؤلم،فقد بكي بحرقة. (لأنها عطوفة تجاه الجميع، ما عداه). ولأنها لن تقول له كلمة طيبة أبداً. ما بال مسألة الكلمة الطيبة هذه؟ التي يطلبها من ازميرالدا في الزنزانة، ثم يطلبها منها حين ينفرد بها على الضفة الأخرى من السين؟ رغبة فرولو المحمومة في التقدير العاطفي ترسم بعداً هزلياً على (دوره كشرير).



الآخرون



منذ الترجمة الانجليزية للرواية بدأت عملية التحوير التدريجي لشخصية فرولو، أولاً بتغيير اسم الرواية من (نوتردام دو باريس)، الى (أحدب نوتردام)، مركزةً على شخصية الأحدب بوصفها موضوع الدراما أو التراجيديا الرئيسي، بينما نجد أن التراجيديا الأقوى تكمن في شخصية فرولو،حين يُهمش فرولو (تراجيدياً وعاطفياً) يركز القاريء غالباً على المحنة العاطفية لكوازيمودو.

الضربة القاصمة لفرولو كانت في فيلم ديزني، فكان تشويهاً سافراً وهزلياً للرواية، قد يجده البعض جميلاً- لكننا نعتبره جميلاً فقط بشكل مستقل، بعيداً عن أي علاقة بالرواية.

أجد بعض الآراء الطريفة حول فرولو، وكلها بسبب التهميش أو التسطيح الحاصل للشخصية، مثلاً، القراء يجدونه أنانياً خبيثاً متمركز حول ذاته، يستخدم كوازيمودو ككلب شخصي، لا شيء يقف أمام أطماعه ورغباته، وهنالك من يقول على موقع (غود-ريدز) أنه يستحق أن يُرمى في البحر لتأكله القروش.

لا اعتراض لدي على كراهية الشرير، لكني لا أجده شريراً، أو لا أجد كل هذه الوصمات بالشر تنطبق عليه، ربما نقول أن فرولو مريض نفسي، سايكوباث، هو بأي حال أفضل -أخلاقياً - من أبطال روائيين يحوزون على التعاطف الجماهيري، مثل غرونوي بطل رواية (العطر)، غالب القراء لم يجده مجرماً أصلاً بالمعنى الأخلاقي، رغم أنه قاتل متسلسل قتل الأبرياء، واحدة تلو الأخرى، ركضاً رواء رغبة أنانية محضة.
الرواية عموماً أجدها صورة عصرية للرومانسية الألمانية لما بعد الحرب العالمية الثانية، الجينات النازية المشوهة حاضرة في الرواية، و همّ (غرونوي) في الوصول الى العطر الأكثر عظمة، يشبه همّ صديقنا في الوصول الى حجر الفلاسفة، فكلها ميول مثالية متطرفة، أقف موقف العداء تجاه رواية العطر، فقد وجدتها تجسد ثيمة نازية خفية، (وهذا رأي شخصي قد يعد تطرفاً كذلك)، كما أني لم أتعاطف مع غرونوي، الذي كان هدفه المثالي، في النهاية، مادياً جداً.

حين تضرب غوغل بحثاً عن فرولو، بالعربية، سوف تجد:"كلود فرولو رمز التعنت الكهنوتي والشر و الخبث و الأنانية والإجرام."، لا أقول أن فرولو رمز الطيبة المحضة، ولربما هذا الانطباع مفهوم لدي، فهو قد دفع بإزميرالدا الى الموت، حين يأس منها، ثم بعدما أيقن أنها ستموت، راح ليضحك بجنون، ربما تضطرم داخل فرولو تفاعلات معقدة لتُخرج هذه الشخصية، والموقف قبيل نهاية الرواية يذكرنا بموقفه في بداية المأساة، حين رأى عنكبوت يفترس ذبابة في شباكه، وحين حاول رفيقه انقاذ الذبابة، اندفع فرولو، كلا، كلا، دع الأمور تأخذ مجراها، لا شيء يفسّر (تجمد) فرولو أمام حياته سوى، ربما، المباديء التي طوّرها، التجهم الدائم، البرود السطحي لشخصيته الكالحة، فرولو (لم) يعرف حلاوة أي شيء دنيوي، وهو غالباً لا يتوقع شيء مماثل من الدنيا، وأي شيء دنيوي (حلو) سوف يصمه فرولو بتهمة، في حوار له مع (غرينوار)، حين كان يعرض عليه خطة لاخراج ازميرالدا من (ملجأها) داخل الكنيسة، يقترح عليه أن يلبس ملابسها وهي تلبس ملابسه، يقول غرينوار، هكذا سوف يشنقونني أنا، يرد فروللو، هذا ليس من شأننا حقاً، ولماذا تحب الحياة لهذه الدرجة ؟
فروللو لا يحب الحياة، رغم أنه لا يصرح في الرواية برغبته في الموت، وما يجعل فروللو تعيساً جداً هو هذه الحالة التي وصل اليها، وأنا لا أجد وصفاً أكثر حيوية للجنون، أكثر من حالة فروللو، فهو يقف (على الحافة) حرفياً، حافة الأبدية، على حد تعبيره، في مونولوغه (4) المؤثر مخاطباً ازميرالدا، عارضاً عواطفه (للمرة الثانية)، أن تكون على الحافة اذن فأنت مجنون، انه الشكل الأكثر قرباً لما يمكننا تسميته (انفصال المرء عن البشرية)، النبذ الحقيقي، ربما لهذا يموت فروللو بهذه الطريقة، حين يدفعه كوازيمودو من الكاتدرائية، فهو لا يسقط مباشرة، بل يتعلق أولاً بتمثال حجري، لمدة طويلة جداً، يجرح أصابعه ويحطم أظفاره محاولاً التشبث، يبذل الجهد، والجهد الذي يبذله يسيء الحال أكثر، فما يتعلق به يلين تحت الضغط، وحين يدرك فروللو بؤس الحال، وأن التمثال لن يتحمل ثقل جسده، ((يخفف)) قبضته، ويصف هيغو رؤاه أثناء السقوط، "حين كان كل ما يحيطه حجر"، يأتي ذكر ((الحجر)) مجدداً، ولا عجب أن عنوان فصل ((موت)) فروللو هو مقولة لدانتي، من كوميدياه، "المخلوقة الجميلة في الرداء الأبيض "(5)، ربما لأن في ذلك الوقت لن يجد الكاتب شيئاً أكثر وجاهة من اقتباسات دانتي، لكننا نميل الى السبب السابق عرضه، (حمّى) المثالية وميل المرء لتعذيب نفسه باسم أي وهم.


ربما يكون فروللو (رمز)، ربما يقصد هيغو أن يرمز بفروللو الى التعنّت فعلاً، تصلّبه أمام شؤون حياته، ميله للخيارات الصعبة العنيفة، ميله للجذرية، وأنا أميل الى أن هيغو قد خدع القراء، فقط، لنراقب الى أي حد يمكننا أن ننخدع، ونصدق أن شخص ما هو الشرّ المحض، وننزع عنه الانسانية، مذ بداية الرواية، فروللو التقي، العالم، العطوف، الذي يأوي اليتامى، الأهل لمسؤولية أخيه، كل ما يجعلني أتعجب من تعاطفي مع الشخصية ونفور الآخرين منها، السؤال، ما الذي حدث لكلود فروللو بالضبط؟ هل الانسان يميل لهذه الدرجة المتطرفة الى ازدراء الغير، القاريء/الانسان، كان مستعداً بشدة لمعاداة هذا الشخص، وخلع الشرّ عليه، في حين أنه كان بطلاً تراجيدياً حديثاً، ربما أتى في عصر الأبطال القوميين، باختصار، كان فروللو شكلاً أدبياً للتدهور الانساني، والى أي حد قد يصل


النازي



فيكتور هيغو مات قبل أن يشهد ألمانيا النازية، لكن في عهده ظهرت الميول الوطنية الألمانية (القرن التاسع عشر)، كما ظهرت أفكار أو كتابات آرثور دو غوبينو، عن الأعراق، قد بدأ الاحتقار النظامي أو المؤسسي للغجر في ذاك الزمان (وكذلك اليهود)، وهو كذلك تميز بأنه زمان الحضر أو الدولة بمعناها الحديث والمستقل عن أي سلطة أخرى (تعاظم السلطة الزمنية)، عموماً شارك الغجر في بث هذا الاحتقار تجاههم، فهم قد أخطأوا خطأ اليهود، وبالغوا في فصل أنفسهم بشكل دائم عن الجماعة، أو المجتمع المتحضر، وكان وجودهم يتمركز حول كونهم جماعة وظيفية (على حد تعبير د.عبد الوهاب المسيري، في وصفه لليهود)، كان سهلاً في أواخر القرون الوسطى (زمن أحداث الرواية)، اتهامهم بالسحر والشر والخبث، وكان سهلاً في زمن كتابة الرواية اتهامهم بالفوضى، الحقارة، الانحلال، أو بأنهم يشكلون تهديداً للدولة، الوطن، العرق الأبيض، النظام الحداثي، الخ.

رواية أحدب نوتردام تكتسب أهمية رومانتيكية أكثر، بعد الحرب العالمية الثانية، رغم التعتيم اللا-ارادي، واغفال البشرية للمآسي التي تعرض لها الغجر، على يد النظام النازي، باختصار، قد تتحول رواية أحدب نوتردام الى نوع آخر من رومانسيات الأزمة، مثلها مثل أفلام كـ (قائمة شاندلر)، الذي بالفعل يلقي الضوء على نوع من العلاقة المضطربة بين ضابط نازي سايكوباتي، وخادمة يهودية، أو فيلم (الكتاب الأسود)، الذي يحكي (مأساة) الشابة اليهودية راشيل شتاين، ورومانسياتها مع ضابط نازي ما.

عموماً، الجو النازي في مطلع القرن العشرين يشبه جو الرعب القروسطي لمحاكم التفتيش، فأوروبا- أو البشرية- تعيش الرعب من جديد، رواية أحدب نوتردام رواية تأريخية، وقد يكون فيكتور هيغو من هؤلاء الفنانين الذين أصيبوا بصدمة (ما بعد الثورة الفرنسية)، فلا هي جعلت فرنسا منارة للاخاء والمساواة، بل عمت الحروب وساد السوء والرعب، بالنسبة لأسباني -مثلاً- كفرانشيسكو غويا، ليرسم سلسلة اللوحات السوداء، أو بالنسبة لفرنسي طليعي كـ فيكتور هيغو، تبدأ أحداث روايته في مطلع القرن الخامس عشر، وهو التوقيت -بالضبط- الذي يشهد بداية تمييز أوروبا للغجر، أو انزعاجها منهم، هل انزعج هيغو من الكتابات العنصرية التي بدأت تظهر في عصره؟ هل بدأ هيغو يخاف من الدولة بشكلها الحديث، الدولة النابوليونية الامبريالية، الدولة الليفيثيان (على حد تعبير توماس هوبس)، الدولة المؤسسية التي تقوم بالاقصاء العلمي الموجّه (على حد تعبير كلا من د.المسيري وميشيل فوكو)، فهي ذاتها دولة القرن السابع عشر، الاصلاحية دينياً، التي تغيرت نظرتها للشحاذين والغجر، فمن يعطي هؤلاء ليس قديساً بالضرورة وليس صالحاً، وهكذا تحولت الأديرة، الى مستشفيات لايواء المجانين، المرضى أو الغجر، كل من يسبب (ازعاجاً اجتماعياً). هل يشير هيغو الى أن الكنيسة ومحاكم تفتيشها ليست بالضرورة آخر أهوال أوروبا، وأن أهوال ((دولية)) أخرى ستظهر؟ فالغجرية ليست غجرية، بل نعرف في آخر الرواية أنها ابنة امرأة فرنسية، ويبدو للقاريء أن هذا ما قد ينقذها من الحرق، لكن (لأجل الكلايماكس الدرامي) هذا لا يحدث، ويرمي كوازيمودو، بفروللو من فوق الكاتدرائية (رومانتيكياً، هذه هي الطريقة الوحيدة ليروي فروللو ظمأه تجاه حجر الفلاسفة)، بالموت.
هل كان هيغو يعبر عن قلقه من العلم؟ العلم المتطرف حين يحول البشر الى مجانين، هل تنبأ هيغو بالتجارب العلمية التي سيجريها علماء النازية على الغجر؟ هذه الأسئلة الطريفة اللا-منطقية هي ما يسلّيني.
عموماً، فيلم ديزني لا يجد حرجاً من تحويل فروللو الى نازي قروسطي، فيقول في أحد مشاهد الفيلم، سوف أجدها (ازميرالدا)، وان اضطررت الى حرق باريس كلها.

وفي مواضع أخرى يصرح برغبته في حرق الغجر، أو ابادتهم - بالمعنى. هذه الميول ليست واضحة في الرواية، لكن التأثير المبالغ فيه للشر النازي للشخصية، الذي تروج له ديزني، يستحق الاهتمام، يعجبني خصوصاً المشهد حين ينزل فروللو (الكرتوني) من عربته، مرهقاً، ويُسأل فيقول: "كانت لدي مشكلة مع المدفأة". تعليقاً على ليلته بلا نوم (أغنية هيلفاير)، ثم يدفع الحرس للبحث عن ازميرالدة، وفي بحثه المحموم عنها يحرق بيوت الغجر أو يضطهدهم، فكأنما هذه (الابادة شبه النازية) ، كانت كذلك بحثاً عن المثال، ذاك الشيء الجميل والمدمّر

------


(1) - اخترتُ هذه اللوحة، كأقرب تجسيد فني (غير متعمّد) لكلود فروللو، من فنان رسمها قبل الرواية الفعلية بنصف قرن، للّوحة قصة، ونلاحظ أن اسم الرجل في اللوحة (كلوديو)، وأن قبّعته تشبه قبعة فروللو في فيلم ديزني.

(3) - whatever is good (agathon) is also beautiful (kalon)
(4) -
"je vous parle debout et frémissant sur la limite de notre éternité à tous deux."
(5) -
La Creatura Bella Bianco Vestita—Dante