Showing posts with label أرشيف الشعوب. Show all posts
Showing posts with label أرشيف الشعوب. Show all posts

Saturday, April 12, 2014

"لقد قتلوني يا عمة!"

الماتامورو لفظة إسبانية تعني "قاتل العرب" أو سفاح العرب، أما الذي كان مقصوداً بها فهو القديس الراعي للمملكة الأسبانية الكاثوليكية من الفترة 1600 وحتى 1760، وقد رُجحت كفة الماتامورو على كفة القديسة تيريزا الأبيلية، من اختاروه رأوا فيه  "هوية" الشعب الأسباني في القرن السابع عشر، أو ما تحتاجه هوية الشعب وقتئذ. (وفي كل الأحوال، من المتوقع أن يجري اختيار قديس محارب ليكون راعي الأمة - رغم اشارة بعض المصادر لأن شعبية القديسة كانت أقوى لدى الطبقات الدنيا من الشعب) حين كانت الأمة مهددة بأخطار عميقة - من كل جهة - والممالك الكاثوليكية تتهاوى حولها في القبضة البروتستانتية، بما أن الماتامورو سفاح للعرب فقد جعله هذا الراعي الأقوى لحروب الاسترداد. وحامي الكاثوليكية من كل الشرار.

في الواقع، تكاد تكون تلك الشخصية المسماة بالماتامورو خيالية بالكامل، ونقول تكاد لأن جزءاً منها يحمل بعض الصحة التاريخية، القديس سانتياغو الماتاموروس أو القديس جيمس سفاح العرب. تفترض الحكاية أن ذاك هو نفسه يعقوب بن زبدي أحد حواريي المسيح. الأساطير حوله تشير إلى ظهوره بصورة "سانتياغو الماتاموروس" وليس يعقوب الزبيدي، فقد ظهر كقديس محارب يعين المسيحيين على هزيمة المسلمين في معركة كلابيخو، هذه المعركة هي كذلك خيالية بالكامل، ولعل كونها خيالية يخفف من وقع الحكاية التالية: فهذه العركة حصلت بين راميرو الأول ملك أستورياس المسيحي وبين المسلمين، الذين، بعد موت ألفونسو الثاني ملك أستورياس السابق، طالبوا وريثه بإتاوة الصبايا المائة، تصرح صفحة ويكي الخاصة بها أنه ليس ثمة أي "مصادر" تاريخية لهذا "الحوار"، ولكن، لا بأس: تلك الإتاوة كانت نتيجة اتفاقية قديمة بين مملكة أستورياس والإمارة الجارة "امارة قرطبة"، والحكاية بصراحة، أنه في عام 783 ميلادية، أفلح الملك موريغاتوس الأستوري في الجلوس على عرش أستوريا بعون أمير قرطبة عبد الرحمن الأول - ذاك، هو عبد الرحمن بن معاوية، صقر قريش شخصياً- وثمنا لذاك فقد طلب عبد الرحمن من المسيحي موريغاتوس إتاوة سنوية من خمسين عذراء نبيلة وخمسين أخريات من العوام. وقد قُتل موريغاتوس في 788 ميلادية على يد نبيلين بسبب موافقته على الإتاوة، وقد أتى مليك اسمه ألفونسو الثاني، ذاك المسيحي التقي رفض الإتاوة كلياً - بعدما كان الملوك الذين سبقوه يتفاوضون لجعلها من الأموال- وبحسب وجهة النظر هذه، التي ترى أن معركة اللوتص قد قامت لأجل أن يحارب ألفونسو العرب ليرجئهم عن المطالبة بالإتاوة. والملك الذي تلاه، راميرو الأول، هزم العرب شر هزيمة في معركة الكلابيخو عام 842. (بمعاونة الماتامورو)، عبد الرحمن الثاني جبن من أن يطلب تلك الإتاوة مجددا.

من مدة كنت أشاهد فيلم "المستشار" وقد أتى فيه حوار عن العرب، في أجواء من عصابات المخدرات والسلاح، تقول شخصية خافيير باردم في الفيلم لشخصية مايكل فاسبندر أنه "لا يعمل بزنس أبداً مع العرب" - وقد أتى هذا التصريح بعدما كان يثرثر له ويذكر مثالا، لو ترك عربياً مع عشرة - أو نحوها - من المكسيكيين في حجرة وسأله، من تظنه سيبقى واقفاً؟ وقد رأى أن العربي سيبقى إلى النهاية. ولكن، سأله فسبندر، لماذا قد لا يعمل بزنس مع العرب، فأجابه "لأن العرب لا يريدون أموالك". وقد تذكرت هذا في معرض قراءتي لحكاية الإتاوة، خاصة حين حاول بعض من ملوك المسيحيين المساكين استئذان العرب أن يحولوا الإتاوة لمبلغ مالي. أذكر أنه ساعة مشاهدتي للفيلم، بما أنني -بطبيعة الحال-لا أقيم وزناً للستريوتايب عن العرب - ولن أفهمه- وبخاصة أن هذا الحوار قد أتى تالياً لحوار بين المستشار (مايكل فسبندر) وجواهرجي يهودي ذكر بشكل عابر مسألة طرد اليهود من الأندلس/أسبانيا. والآن لعلي فهمت، اذن، العرب يطلبون منك حريمك؟

ثمة طرافات تاريخية عدة بخصوص حكاية الماتاموروس، ومنها العادة أن يقدم الحاكم الأسباني الأضاحي لتمثال القديس ماتاموروس في كاتدرائية سانتياغو بكومبوستيلا، وفي مرة، بعث فرانكو بجنرال مغربي نيابة عنه لتقديم الأضاحي للتمثال، وحينها، حسبما يقال، تم تغطية رؤوس الموور المقطوعة في ذاك التمثال.  ولا أدري ما الذي كان يفكر فيه فرانكو النبيه، ولكن ثمة مفارقة سخيفة في المسألة، إذ أن فرانكو قد استعان بالعرب المغاربة مثله مثل مواطنه الأقدم موريغاتوس الأول، لأجل أن يجلس على عرش أسباني.

ولكن، بما أن سانتياغو يستجيب للندهة لأجل شرف الرجال الأسبان والكرامة الوطنية المدنسة بعيث العرب فسادا في حرائر الأمة الأسبانية من النبيلات والعوام، فقد قلت أن المسألة - كالعادة -تتعلق بالحريم. فذاك القديس ليس بالشعبية التي نتصورها، أجل، تيريزا الأبيلية أكثر شعبية منه، ولكني أقصد كذلك الأعمال الفنية، إن موضوعه ليس من الموضوعات العظيمة في الفن الأسباني، وبحسب معارفي المتواضعة جدا - ولعلي مخطئا - فهو ليس حاضرا في اللوحات مثل قديسين آخرين، ربما ﻷن ظهوره - أو معجزته- قد جاءت متأخرة جدا في زمن يسهل فيه التمييز بين الهلاوس والضلالات والقول الحق، وحتى المعركة التي يقال أنه قد ظهر فيها، كانت خيالية بالكامل، لم تقع قط. لقد تضائل الحضور "الفني" والثقافي لسانتياغو لدرجة أنني لم أسمع به قط، ولم أعرفه من قبل، رغم اهتمامي بالموضوع الأندلسي والأسباني، إلا من رواية اللوح الأزرق لغيلبير سينويه. لقد مرت عيني على اسمه "سانتياغو" كثيراً، ولعدة أيام، دون أن ألحظ، حقا، ما "تقلّص" إليه القديس ماتاموروس، في لحظة من لحظات الضمير الشعبي النادرة، فذاك قديس "قاتل"، حتى لو كان قاتلا للأعداء، وحاميا للشرف الأسباني، حتى مار جرجس أشهر القديسين المحاربين، ليس قاتلا، بل شهيد وصاحب آلام عظيمة. إن الضمير الشعبي والعواطف تلك لا تتماهى حقا إلا مع الشهداء، بحسب رأيي.

ولأن تلك المسرحية عن موور، يستولي على امرأة مسيحية ليست " من حقه"، فقد ظهر سانتياغو في الحكاية، ليؤدي دور "استردادي" بلا شك. ومثل الريكونكويستا التاريخية، التي gone very wrong. وقلبت بمحاكم تفتيش، وتوليع وحرق. فهكذا كانت الريكونكويستا بمسرحية "عطيل" الموور، إن اسم الغريم وأساس الشر ومفرق الجماعات، والشيطان نفسه، بحسب ورق التاروت الشكسبيري، ياغو، قد يبدو مصادفة، ولكن بوجود موور في المسرحية فإن هذا كثير جداً. كي أسكت عليه وأدعه دون مبالغات تنظيرية. لقد تقلص الماتاموروس إلى شخصية شيطان حسود، فحسب. يكره الموور، ويستكثر عليه "فوزه" بهذه المرأة، فيقرر أن يخربها عليه. لقد جرده شكسبير حتى من دوره البطولي الوحيد، أي تفوقه في القتال، وفي المعركة، فإن ياغو لا يقتل، ولا يدخل في مبارزة "شريفة" مع غريمه، بل يتلوى ويلتف مثل الأفاعي. وهذا "آخره"، إنه ليس ماتاموروس بمعنى أنه لا يقتل الموور، بل إن الموور في المسرحية هو القاتل، قاتل نفسه وهو كذلك- كالعادة- من يضيع على نفسه "الفردوس". 

وفي علاقة الموور بسانتياغو، فذاك سانتياغو آخر يظهر في رواية "أحداث موت معلن" لماركيز، سانتياغو نصار عربي أصلاً، وقد يبدو غريبا تسميته باسم قديس ملقب بسفاح العرب، ولكني أظن أن هذا استعارة من دور الموور التاريخي كقاتل لنفسه، أعني عطيل نفسه الذي قتل نفسه ولم يقتله أحد، فعلياً. لقد تسبب سانتياغو نصار في مقتله، ليس ظلما وعدوانا، بل كذلك، بسبب الحريم، وتورطه معهن، وتعديه على شرف الأسبان، في رواية "أحداث موت معلن". أو بحسب المقولة التاريخية الخالدة، "إيه اللي وداه هناك".

Friday, December 27, 2013

مَشَاهِدْ: لم يُصَبْ أي يهودي بالأذى أثناء تصوير هذا الفيلم -٢



السطر السابق ظهر بعد عناوين النهاية لفيلم رجل جاد، والذي تقترح مُراجعات كثيرة أنه يحاكي عدّة سرديات كبرى مستوحاة من التوراة، عن "الرجل اليهودي"، أو أخلاق العائلة اليهودية الأصيلة، أو هو "حدوتة يهودية" باختصار، وهذا يأخذنا إلى ما يهمنا من الفيلم كله - والفيلم يستحق المشاهدة. لكن المميز بشأنه هو مشهد الافتتاحية. 

الفيلم ذاته يدور في حقبة الستينيات حول رجل يهودي - جاد- بروفيسور في الرياضيات و"عقلاني"، يواجه عددا من المصائب والابتلاءات - شبه التوراتية- التي تقع على رأسه، يُختتم الفيلم بجائحة قادمة رأساً من العهد القديم - اعصار. و ما يتعرض له بطل الفيلم مألوف لمن قرأ الأسفار ولما يحدث  لآباء بني اسرائيل من انقلاب الأهل عليهم، والأبناء، والأشقاء، والجيران، والزوجات - خاصة الزوجات. في الفيلم احتفاء مميز للغاية بكل النماذج النسائية التوراتية، ثمة الزوجة التي تنقلب على زوجها وتدّيله المقلب، وثمة المغوية الشريرة وهنالك المرأة الدموية السفاحة، الخ. 

بالطبع، الفيلم يدخل في نطاق الكوميديا السوداء - ويقدم صنفاً من الكوميديا المُرعبة الذي يثير اهتمامنا بشكل خاص- لما فيه من مبالغات ثقافية وانجاز ظريف يمزج بين المأساة والملهاة، ولعل هذا ما يميل إليه الأخوة كوين، انجاز "نكتة فلكلورية" تمر في أغلب الأحوال على المشاهد دون أن يشعر أنها ثقيلة الظل أو مُشينة أو مُهينة ثقافياً/عرقياً، وهم ربما يفلتون من هذا بتنفيذ حيلة البطل المأساوي، مثلاً: يمكنهم الاستظراف حيال البيئة والثقافية الجنوبية الأمريكية -والافلات من اللوم- بجعل البطل تجسيد لعوليس شخصياً - في سياق الأوديسة الجنوبية. هذا يضيف قدر معقول من التعقيد للشخصيات - حيث بالطبع، إن لم تفعل، و سخرت من الستريوتايب أو قدّمت شخصية "الآخر" في سياق الأداة الدرامية المبتسرة دون أي تطور درامي وفي حدود خدمة الشخصيات الرئيسية - التي هي تقع في المركز، (الشخصية المركزية للبطل المعتاد غالبا ما تكون ذكر أبيض طيب قوي ...الخ) - هكذا تقع في الغلط.



١. القوطية اليهودية

المشهد الذي نتحدث عنه ويعجبنا لأنه يقدم نوعاً من الرعب - أو الكوميديا- أو الرعب الكوميدي النادر، نوعاً، وفي رأيي، لا يتحقق إلا إذا توافر عنصر المبالغة الثقافية، وأقرب وأبسط مثال له هو عائلة آدامز، رغم أن عائلة آدامز لا تمثل فئة ثقافية - أو جماعية وظيفية أو نوعية بحد تعبير المسيري- لكن، كما يذهب تعريف صفحة ويكي، عائلة آدمز هي "انحراف ساخر" عن نموذج العائلة الأمريكية المثالية، ليس فقط في كونهم جميعاً بشعر أسود أو شاحبي البشرة، هم أيضاً يرفلون في بيئة كئيبة مُقبضة مليئة بايحاءات الموت القوطية، لا يمكن وصف عائلة آدامز - الأمريكية الثرية- أنها تجسيد للآخر والغريب في وجهة النظر الأمريكية اليمينية، لكنها ربما تمثّل ذعراً أمريكيا قديما - من أيام الاحتلال، وحرب الاستقلال- بأن ينتهي الحال بأمريكا مُجدداً إلى مجرد مستعمرة أوروبية، (بالطبع، عائلة آدامز لديهم طباع أوروبية، بلا شك، مزيج من الدموية الفرنسية والوحوشية الجرمانية والكابوسية الأسبانية، الخ) وأن يتحول الأمريكيون لوحوش أوروبيون قوطيون يسكنون قلاع ولديهم عادات أوروبية قوطية، غريبة، ومقرفة، ومريعة، و ungodly. فوبيا العودة لحالة المستعمرة الأوروبية لا يتعلق فحسب بخوف الأمريكيين من أن يقعوا تحت وطئة احتلال ولكن، بشكل خاص، فقدان القيم المتعلقة بالحلم الأمريكي، والأرض الحُرّة العذرية، والديموقراطية المسيحية، وشكل التدين القويم، المعتدل، المستقيم، الخالي من شوائب الوثنية، أو التطرف، أو الخبال، أو الافتنان القوطي بالموت، أو الأيقونات المرعبة، والصلبان الضخمة، وجثامين القديسين، الخ.

القوطية - بأصولها وطبيعتها الأوروبية، التي تستقي أغلب رموزها وهواجسها من الكاثوليكية، غالباً - حاضرة في الثقافة الأمريكية بالطبع، لكن أغلب تجسّداتها- الأكثر شيوعاً- تقع في هامش جنوبي، إنها - في الأغلب- مُتعلقة ببيئات وأفراد وثقافات أخرى، بعيدة عن المُثل الأمريكية الحرّة، وعن أنماط التدين الأمريكي المعتدل، العقلاني، القويم، صحيح أن الجنوب بروتستانتي في أغلبه لكنه مُهدد بانحرافات دينية دموية، وقد رمى الشمال المتحضر القائم على التطوّر طوبة الجنوب القوطي منذ وقت طويل.

القوطية الجنوبية نمط درامي في الفن والأدب - أحد أمثلته لوحة القوطية الأمريكية - وأعتبرها شرحاً ممتازاً للجنرا الفنية السابقة، مثل عائلة آدامز، القوطية الجنوبية تحكي قصص عن عائلات - جنوبية - غريبة الأطوار وذات طباع مريعة ومفزعة، أحيانا دموية، في الغالب مزعجة ومعيوبة وبعيدة عن النمط المقبول والطبيعي لما قد يتخيّله المشاهد والمتابع والفرد العادي عن العائلة الأمريكية الأصيلة. وأخلاق العائلة الأمريكية الأصيلة. في اللوحة، يقف أب حاملاً مقشّته مُهدداً أياً كان من يفكر في الاقتراب من ابنته (عانس تعيسة حبيسة أو دامزل إن دسترس)- أو هكذا تخيلتُ القصة بناء على عنوان اللوحة. الذي يفترض "تصرفات" عائلية متطرفة لأفراد - آباء- مهووسين دينياً أو ذوي تقاليد صارمة نابعة من تلك البيئات الهامشية والمنسية في الجنوب الأمريكي الشرس. هذا مماثل لما قد تتخيله ثقافة المركز عن أي ثقافة هامشية أخرى، فتخترع النكات بشأنها، والأمثلة على ذلك كثيرة .. "مرة واحد صعيدي..مرة واحد أحمر الرقبة، مرة واحد يهودي... الخ)

ويتضح لنا أن هذا كله وثيق الصلة بموضوعنا - فيلم رجل جاد- حين ننظر إلى الموضوع المفضّل في أفلام الأخوة كوين - تقديم تلك النماذج الجنوبية الأمريكية المفزعة، غريبة الأطوار، أو المنفرة- هذا لا يعني بالضرورة "شكل من التخصص" في النكات الفلكلورية، بل يفسّر وجهة نظر الأخوة كوين حين حاولوا معالجة "المسألة اليهودية"، وقد اتّبعوا نفس الأسلوب في معالجة النكتة الفلكلورية الجنوبية، بتقديم نموذج شديد الانحراف، والمبالغة، والمأساوية، لعائلة "الآخر"، كون الأخوة كوين يهود لا يعني أنهم لن يقدّموا معالجة فلكلورية لليهود، بل ربما أراد الأخوان تقديم "النكتة اليهودية الكبرى"، (تحريف للسردية الكبرى)، فيلم رجل جاد عن هذه النكتة اليهودية الكبرى حيث أراد مخرجوه أن يؤكدّوا أنه - بعد كل تلك النكات، والسخريات من اليهود عبر التاريخ- بالطبع فإن أفضل نكتة عن اليهود هي تلك التي سوف يصنعها اليهود أنفسهم، ولن يتغلب عليهم أحد في السخرية من أنفسهم. 


٢. الدين والأفيون

رغم أن اليهودية كدين لا تُعامل معاملة الهرطقة - كما قد تُعامل طوائف مسيحية كثيرة كالمورمونية- ولا تُعامل معاملة زوجة الأب - أي الكاثوليكية- وهي بطبيعة الحال لا تدخل في تنميط الأمريكان عن تلك الديانات المرعبة والمخبولة والدموية كالاسلام. بالعكس، وجهة النظر الرسمية تُلحق المسيحية - أو المسيحية الأمريكية - بالتراث اليهودي، في تعبير الجودايو-كريشتيانيتي، كما توضح إحدى حلقات راديو هند. 
لكن ما هو "المانوال" حقاً إذا أردنا صنع "قوطية يهودية"؟ أظن أن الخطوة الأولى هي استعادة الثقل المُقبض والمنفر للديانة، أتخيل أن الأخوة كوين وقفوا طويلاً حيارى تجاه ذلك أو كيف يمكنهم البدء في هذه النكتة، ولأنهم أرادوا صنع نكتة يهودية كبرى، لا ينافسهم فيها أي نكّات آخر. لأن اليهودية واليهود ليس لديهم setting أو أساس بيئي جغرافي راسخ - بعيد، هامشي- يسهّل اختراع نكتة طريفة بشأنهم، فهم لا يتركزون في الجنوب، بل في المركز الشمالي، نيويورك، وول-ستريت، والغرب الثري، وهوليوود، لا ننسى أن الأخوة كوين يحاولون صنع نكتة يهودية -أمريكية، والوجود اليهودي في أمريكا مركزي للغاية، والوظائف النمطية لليهود الأمريكان تصعّب المسألة أكثر فأكثر، هنالك إرث مستمر وراسخ ويفرض نفسه بشأن اليهود، وبشأن انجازاتهم المالية، والعلمية، والعقلانية، إنهم في الآكاديميا، وفي السينما، وفي البورصة، وفي جوائز نوبل، إنهم - في الذهنية الأمريكية- بعيدين كل البعد عن الظلامية، والبربرية، والتعصب، إنهم ليسوا أميين، ونسائهم لسن "دامزلز إن دسترس"، ولسن حبيسات منازل كولونيالية في الجنوب، وعلى صعيد آخر، تاريخهم في أمريكا لم يرتبط باستعباد الآخرين، أو تقطيعهم ارباً في الشوارع، أو قتل النساء، أو أي من هذه الانحرافات، بل أنهم كانوا دوما ضحايا، شهداء، كما تُشاع الصورة النمطية. كيف يمكن صنع نكتة فلكلورية-قوطية من هذا؟ المفترض أن يكون الأفراد دمويين، أو غرباء الأطوار، أو مثيري الذعر.

الحل المبدئي ببساطة يكمن - كما قلنا- في اخراج كل الغسيل الوسخ بشأن الديانة أو بشأن خرافاتها، لهذا جاء مشهد الافتتاحية، ووفقا للمخرجين أنفسهم، المشهد لا يمت بصلة مباشرة للفيلم ذاته، وحين تم السؤال عن ذلك، يقول إيثان وجويل كوين أن مشهد الافتتاحية يقترح أن لاري- بطل الفيلم، الرجل الجاد- يحمل "ثقل التاريخ" فوق كتفيه، حيث، على حد تعبير إيثان كوين- (من الصعب أن يكون المرء يهودياً) ويشرح جويل أنه يمكن النظر للافتتاحية على أنها تمهّد للفيلم كقصة يهودية، أو قصة عن "الشعب اليهودي"، حسناً، في رأيي، الافتتاحية تمهّد للفيلم كنكتة يهودية -قوطية- أمريكية، مع الأسف، لم يستطع المخرجان أن يقيما السياق على الأراضي الأمريكية، فجاء المشهد، أولاً، باللغة اليديشية، ولاشك أن هذا قد أزعج المشاهد الأمريكي العادي، ثانياً، كان المشهد يدور في القرن التاسع عشر، في بلد بشرق أوروبا، ونحن نعرف أن الفيلم نفسه يدور في الستينيات في وسط-غرب أمريكا. هذا يحل مشكلة الصورة النمطية المعاصرة عن يهود أمريكا، في المشهد، نجد زوجين يهوديين، الزوج يعود من الخارج في ليلة عاصفة بالثلوج، والأدوار الجندرية نمطية في مكانها - كما قد يكون الحال في جنوب أمريكي - والزوجة تطحن شيئا لأجل العشاء، وصحيح أن اليهوديات الأمريكيات -نمطياً - لسن زوجات متطيّرات مهووسات دينياً كما قد يكون الحال في الجنوب- لكن هذه المرأة كذلك، وثمة بونص يهودي خاص، هي دموية، قاسية، سريعة التصرف، أو متنمرة، ساخرة من زوجها، وهي بتصرّفاتها "تقزّمه" أو تقلل من حجمه، كما قد تكون ليليث التوراتية، أو سارة أو جيزيبل أو جوديث، أو دليلة، وغيرهن. 


 لأجل أن تنتقل باليهود الأمريكان المعاصرين من وضعية المركز لوضعية الهامش،  أنت بحاجة للبعبع الأوروبي، حين كان يهود الدياسبورا مُشتتين مذعورين في بلدان أوروبية مسيحية تتربص بهم وتتهيّب اللحظ للفتك، إنهم في المكان الخطأ في الوقت الخطأ -بالنسبة للمجد اليهودي-، بلا مجد ولا رب يحرسهم، ولا ثروة، الزوجان فقيران، يسكنان عشّة أو كوخ يعصف به الثلج. وكل هذا لأجل صنع قصة "قوطية يهودية"، لا تخلو من الكوميديا السوداء التي تدور حول موضوع الموت. أو الموضوع الديني/عن الموت. المشهد قد يمكن تفسيره في نطاق البارانويا اليهودية أو في نطاق المرأة اليهودية الهستيرية .حيث أنه أحد عناصر القوطية - سواء كانت جنوبية أو يهودية أو غيرها- استعادة المفاهيم الرجعية عن المرأة والآخر.

الزوجة اليهودية هستيرية وفي الوقت ذاته تتحدى زوجها وتهين ضيفه، فالزوج يعود إليها ليحكي أنه قد التقى بأحد معارفهم، وأنه ساعده، وأنه قد دعاه إلى الحساء هذه الليلة، ولكن الزوجة تعترض وتخبره أن هذا الرجل ميت منذ ٣سنوات، وأن ذاك الذي التقاه هو "روح شريرة" أو ديبوك، الديبوك روح الميت العالقة، أو هي روح استحوذ عليها الشيطان لأن مراسم الدفن لم تتم كما يجب - على حد تفسير الزوجة. وهكذا فقد صرّحت الزوجة في المشهد أن هذا الرجل الذي ساعد زوجها هو الشيطان شخصياً، وقد بصقت عن شمالها، لعل مصطلح الديبوك أو قصص المس الشيطاني غير حاضرة في الواقع اليهودي المعاصر- في أمريكا بشكل خاص- ولكنها ضرورية لأجل صنع افتتاحية قوطية، ولابد أن المخرجين قد اضطرا لقطع طريق طويل في الزمان والمكان لأجل استحضار تلك العناصر اليهودية النائية. وجود الزوج في المشهد قد تقزّم أمام اصرار الزوجة - خاصة بعد حضور الضيف- وبعدما قامت بطعنه لتثبت لزوجها أنه روح شريرة، في البداية لم ينزف الرجل. "لم يصب اليهودي بأذى". 

الرجل نفسه أثناء حياته لم يكن "غوييم" أو من الأغيار، بل "فقيه" يهودي في الزوهار - وهو كتاب مؤسس في القبالة اليهودية (أو التصوف اليهودي)، وقد تتلمذ على يد علامة يهودي آخر. مُجدداً، يحاول الأخوان حشد كل ما يمكن لهم حشده من العناصر والتفاصيل اليهودية التاريخية والميتافيزيقية (الدينية)، التي قد تكون غريبة ومنفرة حتى بالنسبة لليهود الأمريكان المعاصرين، في محاولة لصنع مشهد ديني متطرف، ولا تفوتنا النكتة التي ينطوي عليها المشهد، حيث أنها في محاولتها لاستبيان إن كان ذلك الرجل الذي أمامها هو من يدّعيه، قامت الزوجة بطعنه، لو كنا في سياق كاثوليكي، لقامت بالتلويح بالصليب في وجهه أو رشه بماء مقدس، الخ. حسناً، قد يُفسّر هذا كمبالغة بخصوص المرأة اليهودية الدموية ، ولكن الرجل لم يكن "من الأغيار"، والنكتة مفادها  أنه لو كان يهودياً بحقّ لأصيب بالأذى، حيث أن اليهود دوماً هم من يصابون بالأذى*، ولو كان يدّعي أنه يهودي ولم يصب بالأذى فهو ليس إلا الشيطان. سرعان ما ينتشر الدم من الطعنة على قميصه الداخلي الأبيض، ثم ينصرف الرجل خارجاً من الكوخ. 


٣. عليك أن تجد شخصاً لتحبه

في الفيلم ثمة حضور خرافي للديانة، الحاخامات يملكون قوة مؤثرة على الشخصيات، الزوجة وإن كانت تطلب الطلاق، وعلى علاقة - غير شرعية- بآخر، فهي إنما تطلب الطلاق حتى لا تكون آغونا(معلقة كالبيت الوقف يعني) ، ثمة مشهد طويل لبار-ميتزفاه، يحضره الصبي البالغ وهو تحت تأثير الحشيش، ويذهب للحاخام تحت تأثير الحشيش، وحين يدخل مكتبه يطالع كل اللوحات المعلّقة والتي تحشد كل ما يمكن استحضاره من المآسي التوراتية الدموية، فذاك ابراهيم يذبح ولده وتلك جوديث تذبح هولوفرنس وغيرها، وحين ينطق الحاخام بعد صمت طويل، تخرج منه كلمات أغنية فريق طائرة جيفرسون (عليك أن تجد شخصاً لتحبّه)، المصنّف كآسيد-روك (روك المواد المهلوسة - صب-جنرا للسايكدليك روك). هذه كلها رؤى طريفة للديانة تتبع إثر اليهودي من القرن التاسع العشر ذي الآراء عن الدين والأفيون وخلافه. وقد أفلح الأخوان كوين نوعاً في صنع بيئة دينية يهودية متطرفة بشكل هزلي، وبعد مجهود كبير، نجحا في جرّ الجماعة اليهودية إلى خانة الطوائف الدينية المخبولة في أمريكا، بكل ما يتعلق بهم وبحياتهم العائلية الداخلية من هلاوس، وظلاميات، وبربريات، ورعب، وابتلاءات توراتية. بشكل قد يفاجئ المشاهد اليهودي نفسه، ولعل الفيلم موجه حقاً للجمهور اليهودي مع رسالة طريفة تشبه رسالة "لم يصب أي يهودي بالأذى أثناء تصوير هذا الفيلم" حيث " أن هذا كل يحدث للآخرين، فالجميع يعرف أن اليهود مش كدا، ولم يكونوا كدا أبداً، ولن يكونوا كدا أبداً، إنهم في المركز، يتمتعون بالامتيازات والحماية، ولكننا نستطيع أن نستظرف، ونجرّهم للهامش، هذا يجعل النكتة أكثر هستيرية وكوميدية، إنها نكتة "في المشمش" أخرى". والخلاصة، وإن لم يعد من الصعب أن يكون المرء يهودياً، فإنه من الصعب حتماً أن يصنع المرء نكتة فلكلورية يهودية، أو قوطية يهودية أمريكية. 


----
*أثناء الكتابة تذكّرت هذه القائمة البغيضة عن "الخراء يحدث"، وهي قائمة سطحية، عنصرية، شديدة الاستظراف ثقيل الظل، بعكس الاستهبال خفيف الظل الذي يصنعه الأخوان كوين، والقائمة تقترح أن السؤال اليهودي هو "لماذا يحدث الخراء دوماً لنا؟" الضمير عائد على الشعب اليهودي بالطبع.

Monday, July 29, 2013

الفاشية المحضة، أو ١٤ طريقة للنظر إلى قميص أسود - أمبرتو إكو


 


[UR- FASCISM]
أو الفاشية المحضة*

 أمبرتو إكو


نُشرتْ  هذه المقالة لأول مرة بالانكليزية في 
بتاريخ ٢٢ يونيو، ١٩٩٥





عام 1942، كنت في العاشرة، أتسلّم جائزة "شبيبة لودي" الاقليمية الأولى  (مسابقة تطوعية - إلزامية لشبيبة إيطاليا من الفاشيين – أي الشباب الايطالي كله). انطلقتُ بطلاقة خطابية أتحدث حول مسألة "هل يتحتم علينا أن نموت جميعاً لأجل مجد موسوليني وخلود إيطاليا؟" وقد رددتُ على السؤال السابق بالايجاب، كنت  فتى ذكياً.
 

أمضيتُ إثنتين من سنواتي المبكرة بين إس.إس [S.S]، فاشيين، جمهوريين، ومقاومين غير نظاميين، يتبادلون إطلاق النار على بعضهم البعض، وعلّمني هذا أن أتفادى الرصاص، كان تدريباً جيداً.
 

في إبريل 1945، سيطر مقاتلو المقاومة على ميلانو، وبعد يومين وصلوا إلى البلدة الصغيرة حيث كنت أعيش، كانت لحظة نشوة، احتشد الناس في الميدان الرئيسي ينشدون ويلوحون بالأعلام، يهتفون لأجل "ميمو" قائد المقاومة في هذه المنطقة، في السابق كان يحمل رتبة مشير في الكارابينييري، ميمو انضم لمؤيدي الجنرال بادوليو، خَلَف موسوليني، وفقد ساقه في أولى الاشتباكات مع فلول موسوليني. ظهر لنا ميمو في شرفة مجلس المدينة، شاحبا يميل على عكاز، وبإحدى يديه حاول تهدئة الحشود، كنتُ أنتظر خطابه لأني طوال طفولتي عُجنت بخطابات موسوليني التاريخية، في المدرسة كنا نحفظ المقاطع المؤثرة منها عن ظهر قلب. صمت الجمهور، ليتحدث ميمو بصوت أجش، مسموع بالكاد، قائلاً: "أيها المواطنون! الأصحاب! بعد كل هذه التضحيات المريرة ، نحن هنا، المجد لهؤلاء الذين سقطوا من أجل الحرية!"، وكان هذا كل شيء. عاد ميمو للداخل. تصايحت الجموع، وأطلق  البارتيزان رصاصات احتفالية في الهواء، و هرعنا نحن الأطفال لنلتقط فوارغ الطلقات، غنائم ثمينة! لكنني تعلمتُ أيضاً أن حرية التعبير تعني الانعتاق من الخطابة.
 

بعد ذلك بأيام قليلة رأيت جنود أمريكان لأول مرة، كانوا أمريكان أفارقة. أول يانكي التقيته كان رجلًا أسود، جوزِف. وقد عرّفني على مغامرات دِك تريسي وليل آبِنر، كتب مصوّرة زاهية الألوان، زكية الرائحة.

أحد هؤلاء الضباط (النقيب أو الرائد "مَدِي") نزل ضيفاً في فيلا عائلة اثنتين من بناتها كانتا زميلتين لي في المدرسة. التقيته في حديقتهم، حيث أحاطت السيدات بالكابتن "مدي"، يتلعثمن بالفرنسية. الكابتن كان يعرف بعض الفرنسية كذلك، وهكذا تكوّن انطباعي الأول عن المحررين الأمريكان – بعدما اعتدت رؤية الكثير من الوجوه الشاحبة المتشحة بالقمصان السوداء: رجل أسود مثقف يرتدي زياً أصفر ويرطن: "وي! ميغسي بوكو! مدام!، موا أوسي جَم لو شامبنيْ..." للأسف، لم يك ثمة شمبانيا، لكن الكابتن "مَدِي" منحني أول قطعة تذوقتها من علكة ريغلي بنكهة النعناع  وقد أخذت أمضغ اليوم بطوله.  في الليل وضعتها في كوب ماء زجاجي كي تحتفظ بطراوتها لليوم التالي.
 

في مايو سمعنا أن الحرب قد انتهت. منحني السلام احساساً عجيباً. لقد لقنونني أن الحرب الدائمة حالة طبيعية ووضع أمثل لكل إيطالي شاب، في الأشهر التي تلت اكتشفتُ أن المقاومة لم تك ظاهرة محلية بل أوروبية. تعلمتُ كلمات جديدة مثيرة مثل: ريزو، ماكي، أرميه سُكريت، رُوت كابيلله، و غيتو وارسو. رأيت الصور الأولى للهولوكوست، هكذا فهمت معنى الكلمة قبل أن أعرفها. أدركت ماهية هذا الذي حررونا منه.
 

في بلدي اليوم، ثمة أناس يتسائلون إن كان للمقاومة أثراً عسكرياً على سير الحرب، بالنسبة لجيلي هذا السؤال لم يك مهماً: لقد فهمنا على الفور المعنى النفساني والأخلاقي للمقاومة، بالنسبة لنا كانت تعني الشرف، فنحن الأوروبيون لم نقعد مستسلمين ننتظر منقذنا. وبالنسبة للشباب الأمريكان الذين سالت دمائهم ثمناً لحريتنا المستردة، كان وجودنا كأوروبيين خلف خطوط النار نسدد ديوننا مقدماً، له معنى قوي.
 

اليوم في بلدي هنالك من يقولون أن خرافة المقاومة كانت كذبة شيوعية. صحيح أن الشيوعيين استغلوا المقاومة كأنها كانت ملكيتهم الخاصة. بسبب دورهم الرئيسي فيها. لكنني أذكر مقاتلي مقاومة بأوشحة من كل لون، أمضيتُ لياليّ ملتصقاً بالمذياع – والنوافذ مقفلة، والإظلام يجعل المساحة الصغيرة حول الجهاز مثل هالة مشعة – أستمع الى رسائل يذيعها "صوت لندن" موجهة للمقاومة. كانت مشفّرة و شاعرية في الآن ذاته (الشمس أيضاً تشرق، الورود سوف تتفتح) وأغلبها كانت "messaggi per la Franchi"  (رسائل للفرنك)، أحدهم همس لي أن فرانتشي كان قائدا لأكثر شبكات المقاومة قوة وسرية في جنوب غرب ايطاليا. رجل بشجاعة أسطورية. صار فرانتشي بطلي، فرانتشي (واسمه الحقيقي ادغاردو سونيو) كان ملكياً، ومتهّم بالتآمر وتدبير  انقلاب عسكري. من يهتم؟ سونيو ظل بطل طفولتي، والتحرير كان قضية مشتركة بين الناس على اختلاف مشاربهم. 
 

في بلدي اليوم هنالك من يقولون أن حرب التحرير كانت فترة انقسام مأساوية، وأن كل ما نحتاجه هو وفاق وطني. ذكرى تلكم السنوات الرهيبة يجب أن تُكبتْ، refoulée ،verdrängt لكن الكبت الفرويدي يسبب العصاب. ولو كان الوفاق يقصد به تعاطفا واحتراما لكل هؤلاء الذين خاضوا حربهم الخاصة مدفوعين بقناعاتهم، فإن التسامح لا يعني فقدان الذاكرة. يمكنني أن أجزم أن إيخمان قد آمن ايمانا صادقا بمهمته، لكنني لن أقول له أبدا: "حسنا، عُد وافعلها مجددا". نحن هنا لنتذكر ما حدث ولأجل أن نقول رسمياً  أننا لن نسمح لـ "هم"  أن يفعلوها مجدداً.
 

  • لكن من "هم"؟

حين ننظر للأنظمة الشمولية التي حكمت في أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية، يمكننا الجزم بصعوبة ظهور هذه الحكومات بالشكل نفسه لو اختلفت الظروف التاريخية. لو أن فاشية موسوليني كانت قائمة على فكرة وجود زعيم كاريزماتي، على هيمنة الشركات الرأسمالية، على يوتوبيا المصير الامبريالي لروما، والارادة الاستعمارية الشبقة لاجتياح أراض جديدة، والوطنية المتفاقمة، ونموذج لأمة محتشدة كلها بقمصان سوداء، ورفض الديموقراطية النيابية، ومعاداة السامية، اذن يمكنني القول أن، اليوم، حزب التحالف القومي الايطالي، الذي نشأ على أنقاض الحزب الفاشي لفترة ما بعد الحرب، الحركة الايطالية الاشتراكية، وهو بلا شك حزب يميني، ليس له ، الآن، إلا القليل جداً من السمات  المشتركة مع الفاشية القديمة. في السياق نفسه، رغم قلقي الشديد من الحركات شبه النازية التي تظهر هنا وهناك في أوروبا وروسيا. لا أظن أن النازية، في شكلها الأصلي، سوف تنبعث مجددا كحركة وطنية.

لكن، برغم أن اسقاط الأنظمة السياسية صار ممكناً، وكذلك انتقاد الآيديولوجيات، خلف كل نظام وآيديولوجية هنالك دوماً طرق في التفكير والشعور، حزمة عادات ثقافية، وغرائز دفينة ونزعات لا يمكن سبر أغوارها. هل ثمة شبح لا يزال متربصاً بأوروبا (دعك من بقية أنحاء العالم) ؟


 يونسكو قال مرة أن "الكلمات فقط هي المهمة وما دونها مجرد ثرثرة". العادات اللغوية عَرَض مهم ودال على المشاعر الباطنية. لذا من الضروري أن نسأل أنفسنا، لم ليست المقاومة فقط بل الحرب العالمية الثانية كلها يُنظر إليها عموماً كصراع ضد الفاشية. إذا أعدت قراءة رواية هيمنغواي "لمن تُقرع الأجراس" سوف تكتشف أن روبرت جوردان يصف أعدائه كلهم بالفاشيين، ويمتد هذا حتى للفلانخي الإسبانية،  وبالنسبة لتيودر روزفلت، "انتصار الشعب الأمريكي وحلفائه سوف يكون هزيمة للفاشية و الذراع الميت للطغيان الذي تمثله."



أثناء الحرب العالمية الثانية، كان يُطلق على الأمريكان الذين شاركوا في الحرب الاسبانية "مقاومو الفاشية غير الناضجين"، هذا يعني أن محاربة هتلر في الأربعينيات كانت واجبا أخلاقيا على كل أمريكي صالح، لكن محاربة فرانكو في الثلاثينيات كانت "مبكرة جداً"، وتنزّ برائحة مريبة لأن أغلبية من شارك فيها شيوعيون ويساريون آخرون. . . لماذا اذن استخدم الثوريون الأمريكان - بعد تلك الحرب بثلاثين عام- تعبير مثل "خنزير فاشي"  لوصف أي شرطي لا تعجبه عاداتهم في التدخين؟ لماذا لا يقولون: خنزير كاغولاري، خنزير فلانخي، خنزير أوستاشي، خنزير كزلينغي، أو خنزير نازي؟


كتاب كفاحي يعدّ مانفستو لبرنامج سياسي متكامل. النازية لديها نظرية في العرق وفي تفوق الشعب الآري، ومفهوم محدد للفنون المنحطة، وفلسفة في ارادة القوة، والسوبر مان. النازية معادية للمسيحية  وأقرب للوثنية الجديدة، في حين كانت النسخة الرسمية للماركسية السوفيتية الخاصة بستالين، الديامات، أو الديالكتية المادية، إلحادية بالكامل. إن كان المقصود بالشمولية نظاماً توجّه فيه الدولة وآيديولوجيتها كل أفعال الفرد، فإن  النازية والستالينية كانتا نظماً شمولية أصيلة.


 الفاشية الايطالية دكتاتورية بلا شك، لكنها لم تك شمولية بالكامل، ليس بسبب اعتدالها ولكن لضعفها الآيديولوجي و الفلسفي. بعكس الرأي الشائع، الفاشية في إيطاليا لم تملك فلسفة خاصة بها. المقالة في الفاشية التي تحمل توقيع موسوليني والموجودة في تريتشاني إنسايكلوبديا كتبها جيوفاني جِنتيل أو كانت مستوحاة من أفكاره، وهي بدورها انعكاس للمفهوم الهيغلي المتأخر عن الدولة الأخلاقية المطلقة. والتي لم يفلح موسوليني قط في تطبيقها. موسوليني لم يملك أية فلسفة: امتلك بلاغة فحسب. كان عسكريا ملحدا في بداياته وبعد ذلك وقّع ميثاقا مع الكنيسة ورحّب بالأساقفة الذي باركوا شعارات الفاشية. في سنواته المبكرة المعادية للكهنوت، وفقا لخرافة على الأغلب، سأل الرب مرة أن يوجه إليه ضربة فيعرف أنه موجود، فيما بعد، صار موسوليني يذكر اسم الرب في خطاباته دوماً، ولم يمانع أن يُطلق عليه "رجل العناية الإلهية". 

الفاشية الايطالية كانت أول ديكتاتورية يمينية تستولي على السلطة في دولة أوروبية، كل الحركات المشابهة فيما بعد اعتبرت نظام موسوليني نموذجا لها. الفاشية الايطالية كانت أول من أسس طقوسا عسكرية مقدسة، وفلكلور، ونمط لباس، أكثر تأثيراً بقمصانها السوداء من آرماني وبينيتون وفرساس. فقط في الثلاثينيات بدأت الحركات الفاشية في الظهور، موزلي في انكلترا، ولاتفيا، وإستونيا وليتوانيا وبولندة والمجر ورومانيا وبلغاريا واليونان ويوغوسلافيا وأسبانيا والبرتغال والنرويج وحتى في أمريكا اللاتينية. بفضل الفاشية الايطالية اقتنع كثير من الليبراليين الأوروبيين أن النظام الجديد يحمل اصلاحا اجتماعيا مثيرا للاهتمام، ويوفر بديلاً ثورياً براغماتيا و"معتدلاً" يطمس التهديد الشيوعي.

رغم ذلك، فإن الأولوية التاريخية ليست كافية لتفسير لم صارت كلمة "فاشية" مجازاً لوصف كافة الحركات الشمولية. وليس هذا لأنه، من الناحية الجوهرية، الفاشية احتوت على كل المكونات التي ميزت أي شكل تلاها من الشمولية. على النقيض، لم تحتو الفاشية على أي جوهر. الفاشية كانت شمولية ضبابية، قص ولصق لأفكار فلسفية وسياسية مختلفة، خلية من التناقضات. هل يمكن تخيل حركة شمولية حقيقية قادرة على الدمج بين الملكية والثورية، الجيش الملكي وميليشيات موسوليني الخاصة، الامتيازات الممنوحة للكنيسة مع التعليم الحكومي المحرض على العنف، والسلطة الشاملة للدولة، مع سوق حر؟ الحزب الفاشي كان يتبجح بالنظام الثوري الجديد الذي جلبه، لكنه كان مدعوماً من ملاك الأراضي الأكثر محافظة، الذين انتظروا منه ثورة مضادة.

في بداياتها كانت الفاشية جمهورية. لكنها ظلّت عشرين سنة تؤكد على ولائها للعائلة المالكة، كان الدوتشي (الزعيم المفدّى) يمشي متأبطا ذراع الملك،  يعرض عليه لقب امبراطور. لكن حينما طرد الملك موسوليني في ١٩٤٣، عاود الحزب الظهور بعد شهرين، بدعم ألماني، تحت راية الجمهورية الاشتراكية، يعيد تدوير نصوصه الثورية القديمة، تثريه نبرات يعقوبية.

ثمة معمار نازي وحيد، وفن نازي وحيد. لو أن المهندس النازي كان آلبرت سبير، فإنه ليس ثمة مكان لمايز فان دير روهه. وبالمثل، أثناء حكم ستالين، لو أن لامارك كان موجودا فليس ثمة مكان لدارون. في ايطاليا كان هنالك بالتأكيد مهندسين فاشيين ولكن بجانب نماذجهم المزيفة للكولوسيوم قامت مبان جديدة متأثرة بالعقلانية الحداثية لغروبيوس.

لم يكن هنالك جدانوف فاشياً يخط حدّاً ثقافياً صارماً. في ايطاليا هناك جائزتين فنيتين مهمتين، البريميو كريمونا كان يتحكم بها فاشي متعصب وجاهل، هو روبرتو فاريناتشي، والذي شجع الفن فقط كوسيلة للبروباغندا. (يمكنني أن أتذكر لوحات بعناوين مثل "الاستماع إلى خطاب الدوتشي" أو "حالات مزاجية فاشية".) والبريميو بيرغامو كان يرعاها فاشياً أكثر تسامحاً وثقافة وعقلانية هو غيوزيبّي بوطاي، والذي حمى مفهوم الفن لأجل الفن وأنماط أخرى من الآفان-غارد، كانت قد حُظرت في ألمانيا لـ"انحطاطها" ومضامينها الشيوعية.

الشاعر القومي كان دانّوتزيو، غندور لو تواجد في ألمانيا أو روسيا لأرسلوه إلى كتيبة الاعدام. عُيّن كشاعر للنظام بسبب وطنيته وعقيدته البطولية. والتي خالطتها الكثير من الشوائب الفرنسية المتأثرة بمشاعر تداعي "نهاية القرن". 


خذ المستقبلية مثالاً. قد يظن المرء أنها تعتبر نمطاً من الفن المنحطّ، جنباً إلى جنب مع التعبيرية، والتكعيبية، والسوريالية. لكن المستقبليين الإيطاليين الأوائل كانوا قوميون. لقد شجّعوا مشاركة ايطاليا في الحرب العالمية الأولى لأسباب جمالية، كانوا متحمسون للسرعة، العنف والخطر، وكل هذه المشاعر كانت وثيقة الصلة بالعقيدة الفاشية الشبابية. بينما تماهت الفاشية مع الامبراطورية الرومانية وأعادت اكتشاف عادات ريفية، مارينيتّي (الذي اعتبر السيارة أكثر جمالاً من  منحوتة "نصر ساموتريسي"، حتى أنه أراد أن يقتل ضوء قمر) قد عُين برغم ذلك عضواً في الآكاديميا الايطالية، والتي بالطبع عاملت ضوء القمر باكبار شديد.


كثير من محاربي المقاومة ومثقفي الحزب الشيوعي قد تتلمذوا ضمن اتحاد الطلبة الجامعيين الفاشيين، والمفترض أنه كان مهداً للثقافة الفاشية الجديدة. هذه النوادي صارت ضرباً من البوتقة الثقافية حيث تم تدوير أفكار جديدة دون أي سيطرة آيديولوجية فعلية. وليس هذا لأن رجال الحزب كانوا  متسامحون أو ذوو فكر ثوري، ولكن قلة منهم كانت لديها القدرة أو الاستعداد الثقافي لفرض السيطرة.

في العشرين عاماً تلك، صار شعر مونتالي وكتّاب آخرين لهم علاقة بالمجموعة المسماة "إرميتيتشي" رد فعل على الطابع الطنان للنظام، وهؤلاء الشعراء كان مسموحاً لهم بنمط من المقاومة الأدبية طالما ظلّوا سجناء  "برجهم العاجي". كان مزاج شعراء إرميتيتشي نقيضاً للعقيدة الفاشية المفعمة بالبطولة والتفاؤل. تسامح النظام مع معارضتهم الفاضحة، رغم كونها غير مسموعة اجتماعياً، وذلك لأن الفاشيين ببساطة لا يهتمون بهذه الرطانة الغامضة. 

وهذا كله لا يعني أن الفاشية الايطالية كانت متساهلة. لقد ظل غرامتشي سجيناً حتى موته، قادة المعارضة جياكومو ماتيوتي والأخوة روزيليني  تم اغتيالهم، الصحافة الحرة ألغيت، فُككت الاتحادات العمالية، وتم نفي المقاومين السياسيين لجزر معزولة. أمست القوة التشريعية مجرد خيال، والقوة التنفيذية (التي تحكمت في القضاء والاعلام) أصدرت مباشرة القوانين، ومن ضمنها قوانين دعت لحماية العرق، (لفتة الدعم الايطالية الرسمية للهولوكوست).

الصورة المتناقضة التي أصفها لم تك بسبب التسامح ولكن نتيجة للا-تمازج السياسي والآيديولوجي. كان  لا-تمازج صارماً، ارتباك منظّم. الفاشية كانت  فلسفياً غير متناسقة، لكنها من النواحي العاطفية مربوطة بحزم إلى أسس طرازية متشددة.


وهكذا نأتي للمرحلة الثانية من هذا الجدل، كان ثمة نازية واحدة فقط. لا يمكننا أن نصف فلانخية فرانكو المفرطة في كاثوليكيتها بالنازية، بما أن النازية وثنية بالأساس، معادية للمسيحية. ولكن اللعبة الفاشية يمكن أن تمارس بأشكال عدة، واسم اللعبة لا يتغير. مفهوم الفاشية لا يختلف كثيراً عن مفهوم فيتغنشتاين للعبة. اللعبة إما أن تكون تنافسية أو لا تكون، قد تتطلب مهارات خاصة أو لا تتطلب، يمكنها أن تتضمن مالاً أو غير ذلك. الألعاب أنشطة مختلفة تُظهر بعض الشبه  بالأسرة، كما يصف فيتغنشتاين. إليك التسلسل الآتي:


١          ٢          ٣           ٤
أ ب ت    ب ت ث    ت ث ج     ث ج ح


لنفترض أنه ثمة سلسلة من الجماعات السياسية والأولى منها تتميز بالصفات (أ ب ت)، والجماعة الثانية بالصفات ( ب ت ث)، الخ. الجماعة الثانية مشابهة للأولى بما أن لديهما صفتان مشتركتان، لنفس الأسباب الجماعة الثالثة تتشابه مع الثانية والرابعة تتشابه مع الثالثة. لاحظ أن الثالثة تشبه الأولى كذلك ( لديهم الصفة ث مشتركة بينهما). الحالة الأكثر عجباً تلك المتمثلة في الجماعة الرابعة، من الواضح أنها شبيهة باثنين وثلاثة، دون أية صفة مشتركة مع الأولى. ولكن، وفقاً للتناقص المتدرّج للتماثلات من الأولى حتى الرابعة، يظل هنالك شبهاً أو صلة عائلية بين الرابعة والأولى.

الفاشية صارت مصطلحاً لجميع الأغراض لأنه من الممكن نزع سمة أو أكثر من النظام الفاشي، دون أن يفقد صفته الفاشية. خذ الامبريالية من الفاشية وسوف يظل لديك فرانكو وسالازار. خذ الكولونيالية  وسيبقى لديك الفاشية البلقانية للأوستاشيين. أضف للفاشية الايطالية معاداة جذرية للرأسمالية (تلك التي لم ترق كثيرا لموسوليني) وستحصل على إزرا باوند. أضف عقيدة ميثولوجية كلتية ودروشة حول الكأس المقدسة (وهذه صفات غريبة تماماً عن الفاشية الرسمية) وستجد لديك أكثر غوروهات الفاشية احتراماً، يوليوس إفولا. 

ورغم كل هذا التشوش، أعتقد أنه من الممكن رصد قائمة من الصفات النموذجية لما أحب أن أسميه "الفاشية المحضة"* أو "الفاشية الأبدية". هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع في نظام واحد، كثير منها يناقض بعضه، وكثير منها يميز ضروب أخرى من الطغيان أو التعصّب. ولكن يكفي أن يتواجد أي منها ليسمح للفاشية بأن تتجلّط حوله.

١. أول سمة للفاشية المحضة هي عبادة التقاليد. التقليدية/الأصالة بالطبع أقدم كثيرا من الفاشية. لم تك فحسب عنصرا مميزا لفكر الثورة المضادة الكاثوليكية التي أعقبت الثورة الفرنسية، بل قبل ذلك بكثير، التقليدية نشأت في الحقبة الهيللينية المتأخرة، كرد فعل رجعي على العقلانية الاغريقية الكلاسيكية. في حوض البحر المتوسط، أناس من أديان مختلفة ( أكثرهم كان البانثيون الروماني متسامحاً معه) أخذوا يحلمون بوحي كان قد نزل في فجر التاريخ الإنساني. هذا الوحي، وفقاً للتصوف التقليدي، قد ظل لزمان طويل مخفياً وراء حجاب اللغات المنسية- في الهيروغليفيات المصرية، وفي الرون الكلتي، وفي مخطوطات أديان آسيوية مجهولة.

هذه الثقافة الجديدة يجب أن تكون توفيقية، التوفيقية لا تعني فحسب، كما يقول القاموس، "دمج أشكال مختلفة من الممارسات والعقائد"، هذا الدمج لابد وأن يتساهل مع التناقضات. كل من الرسالات الأصلية تحتوي على قبس من الحكمة، وكلما بدت واحدة منها متناقضة أو توحي بأشياء غير متكافئة، فذاك لأنها كلها تشير مجازياً لنفس الحقيقة الأوليّة.

ونتيجة لهذا يتعرقل التقدم العلمي.  فالحقيقة قد نُطق بها بالفعل، من قبل، وليس ثمة جديد، وكل ما يمكننا فعله هو تفسير رسائلها المبهمة.

يمكن للمرء أن يتأمل مناهج كل حركة فاشية وسوف يجد مفكرين تقليديين عظام. الغنوصية النازية تم تغذيتها بعناصر تقليدية، توفيقية وسرّانية. المصادر النظرية الأكثر تأثيراً لسرديات اليمين الايطالي الجديد، يوليوس إفولا، مزجت الكأس المقدسة مع "بروتوكولات حكماء صهيون"، الخيمياء مع الامبراطورية الرومانية والجرمانية المقدسة. والدليل الدامغ على الطبيعة التوفيقية لليمين الايطالي الجديد هو "تفتحه الذهني" واستيعابه في المنهج نفسه أعمال  دي ميستر، غينون، وغرامتشي.

إذا بحثت في أرفف المكتبات الأمريكية المعنونة بـ"العصر الجديد"، سوف تجد سان أغسطين، والذي لم يك، على حد علمي، فاشياً. لكن الدمج بين سان أغسطين وستونهنِج - هذا يعتبر عرضاً من أعراض الفاشية المحضة.




٢. التقليدية تعني رفضاً للحداثة. الفاشيون والنازيون على حد سواء يعبدون التقنية، في حين يرفضها المفكرون التقليديون لأنها انحراف عن القيم الروحانية التقليدية. لكن، رغم فخر النازية بمنجزاتها الصناعية، تمجيدها للحداثة كان القشرة السطحية لآيديولوجية قائمة على الدم والأرض (Blut und Boden). رفض العالم الحديث جاء متنكراً  في شكل استنكار لأسلوب الحياة الرأسمالي، الذي هو  بالأساس رفض لروح عام ١٧٨٩ ( وكذلك ١٧٧٦، بالطبع). أي رفض التنوير، فعصر العقل، ينظر إليه كبداية للفسوق الحداثي. وهكذا يمكننا تعريف "الفاشية الأزلية" بأنها لاعقلانية. 



٣. اللاعقلانية أيضا تعتمد على عقيدة "الفعل لأجل الفعل". الفعل بوصفه جميلاً في ذاته، يجب أن يُتّخذ قبل -أو دون -أي تفكير مسبق. التفكير يعتبر نوعا من الاخصاء. هكذا فإن الثقافة مصدر ريبة لارتباطها بالمواقف النقدية. عدم الثقة في عالم المثقفين سمة دائمة للفاشية المحضة، مذ تصريح غورينغ الشهير "حين أسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي"، إلى الاستخدام المتكرر لتعبيرات من قبيل "مثقفون منحطّون" "شمّامين كُلّة"، "مخنثون  متكبرون" و"الجامعات معقل الحُمر". مثقفو الفاشية الرسميون كانوا مكلّفين فقط بالهجوم على الثقافة الحديثة والإنتليجينسيا الليبرالية لأنها خانت العادات والتقاليد. 



٤. لا يمكن للعقائد التوفيقية أن تصمد أمام النقد التحليلي. الروح النقدية يمكنها التفريق بين هذا وذاك، وهذا علامة على الحداثة. في الثقافة الحديثة المجتمعات العلمية تشجع الخلاف كوسيلة للتقدم المعرفي. بالنسبة للفاشية المحضة، الاختلاف في الرأي يعتبر خيانة.



٥. كما أن الاختلاف في الرأي دلالة على التنوع. الفاشية المحضة تقوم على الاجماع، وتستقوى باستغلال الخوف الطبيعي من المختلفين. كل الحركات الفاشية تستمد جاذبيتها من التحريض ضد الدخلاء والغرباء والآخر والأجنبي. الفاشية المحضة عنصرية.



٦. الفاشية المحضة تنشأ من الاحباط الفردي أو الاجتماعي. لهذا أحد أهم مميزات الفاشية التاريخية جاذبيتها للطبقة الوسطى المحبطة، طبقة تعاني من أزمة اقتصادية أو احساس بالاهانة السياسية، ومذعورة من ضغط الطبقات الأدنى منها. في عصرنا، حينما يصبح البروليتاريون القدماء برجوازيين صغار (والمهمشون يجري استبعادهم من المشهد السياسي) فإن فاشية الغد سوف تجد جمهورها بين تلك الأغلبية الجديدة.



٧. الفاشية المحضة تقدّم حلاً لأولئك الذين يشعرون أنهم بلا هوية اجتماعية واضحة، والهوية التي تقدمها لهم الفاشية هي الأكثر شيوعاً: كونهم وُلدوا في البلد ذاته. وذاك هو أصل القومية. إلى جانب أن الأعداء وحدهم من يمكنهم تشكيل هوية للأمّة. لذلك، الهوس بالمؤامرة يعدّ من جذور الفاشية المحضة، غالباً ما تكون مؤامرة عالمية. أتباعها يجب أن يشعروا بالحصار. والطريقة الأسهل لحلّ معضلة المؤامرة الكونية هو تشجيع الزينوفوبيا [كراهية الأجانب]، ولكن المؤامرة يجب أن تنبع من الداخل كذلك: اليهود عادة ما يكونوا هدفاً أمثل للزينوفوبيا لتمتعهم بمزية التواجد في الداخل والخارج في الوقت ذاته. المثال الأبرز في الولايات المتحدة الأمريكية للهوس بنظرية المؤامرة يتمثل في كتاب بات روبرتسون "النظام العالمي الجديد".



٨. أتباع الفاشية يجب أن يشعروا بالاهانة من مظاهر الثروة والقوة لأعدائهم. حين كنت صبياً، علّموني أن أتخيل الانكليز كأناس يأكلون خمس وجبات في اليوم. إنهم يأكلون أكثر من الطليان الفقراء والمعتدلين. اليهود أثرياء ويعاونون بعضهم من خلال شبكة سرية من الدعم المتبادل. ولكن الأتباع يجب أن يقتنعوا أنهم قادرين على هزيمة الأعداء، وذلك بتغيير ركائز الخطاب الفاشي باستمرار، الأعداء أقوياء جداً وضعفاء جداً في الوقت ذات. الحكومات الفاشية تخسر الحروب دوماً لأنها عاجزة عن تقدير قوة العدو بموضوعية.



٩. وفقاً للفاشية المحضة، ليس ثمة صراع للبقاء بل أن الحياة نفسها تعاش لأجل الصراع. هكذا فإن المبادئ السلمية تعني الخيانة. وهي مرفوضة لأن الحياة عبارة عن حالة حرب مستمرة. ولكن هذا يؤدي إلى عقدة هرماجدّون، فالأعداء يجب أن يهزموا، وعليه لابد من وجود معركة نهائية كبرى، بعدها تتمكن الحركة الفاشية من السيطرة على العالم. وهذا الحل بعيد الأمد يعني مجيء حقبة سلام و عصر ذهبي، وذلك يتناقض مع مبدأ الحرب الدائمة. لم يفلح أي قائد فاشي في حل هذه المعضلة حتى الآن.


١٠. النخبوية سمة نموذجية لأي آيديولوجية رجعية، هي في أصلها أرستوقراطية، والأرستقراطية والنخبوية العسكرية تفرخ احتقاراً قاسياً لمظاهر الفقر،  الضعف  والضعفاء. الفاشية المحضة تتبنّى فقط النخبوية الشعبية. كل مواطن ينتمي إلى أعظم شعب في العالم، أعضاء الحزب هم الأفضل بين المواطنين، كل مواطن يتحتم عليه أن يكون عضوا في الحزب. و حيث تجد نبلاء فلابد من وجود عوام. ولأن الزعيم يعرف أن سلطته لم تُفوّض إليه ديموقراطياً، بل أخذها غصباً، يعلم كذلك أن قوته مستمدة من ضعف الجماهير، بسبب ضعفهم يحتاجون ويستحقون قائداً. ولأن الجماعة منظمة هرمياً (طبقاً للنموذج العسكري)، كل قائد يحتقر من هم تحته، وكل منهم يحتقر بدوره من هم دونه. وهذا يؤجج حس النخبوية الجماهيرية. 

١١. كلٌ يتعلم لأجل أن يصبح بطلاً. في كل الميثولوجيات البطل كائن استثنائي، لكن وفقاً للفاشية المحضة، البطولة هي القاعدة. وعبادة البطولة مرتبطة بشدة بعبادة الموت. وليس من قبيل المصادفة أن يكون شعار الفلانخي الأسبان "Viva la Muerte/يحيى الموت!". في المجتمعات غير الفاشية  يقال للناس أن الموت سيء لكن يجب مواجهته بكرامة، يقال للمؤمنين أنه الطريق المؤلم للوصول إلى سعادة سماوية.  على النقيض، أبطال الفاشية المحضة يشتهون الموت البطولي، فهو المكافأة الأسمى لحياة بطولية. بطل الفاشية المحضة يرغب في الموت بنفاذ صبر. وهذا الجزع  يتسبب في موت غيره. 

١٢.الحرب والبطولة ألعاب صعبة، لهذا تحاول الفاشية المحضة أن تغير اتجاه ارادة القوة الكامنة في بلاغيات السلاح والحرب بحيث يمكن تفريغها جنسياً. وهذا هو أصل الماتشيزمو  (الذكوري المحتقر للنساء ولكل أنماط السلوك الجنسي المخالف لما يعتبره تقليديا/طبيعياً، من أول الترهبن وحتى المثلية). ولأن الجنس كذلك لعبة صعبة، تميل الفاشية المحضة للاستعاضة عنه باللعب بالأسلحة - الحل الأخير لهذه الشحنات العدوانية يكمن في تحويلها إلى ممارسة قضيبية اصطناعية


١٣. تقوم الفاشية المحضة على الشعوبية الانتقائية: شعوبية نوعية، لنقل، في الديموقراطيات، المواطنون يملكون حقوقا فردية، وهم  يصنعون تأثيراً سياسياً عاماً من ناحية كيفية فحسب- حين تُتبّع قرارات الأغلبية. وفي حالة الفاشية المحضة، ليس للأفراد حقوق كأفراد، والشعب يُعتبر صفة أو مفهوم ميتافيزيقي، كيان متآلف يجسّد "الارادة العامة" أو الارادة الجمعية أو الارادة القومية. ولأن امتلاك هذا الكم كله من البشر لارادة واحدة جامعة أمر مناف للمنطق، يدّعي الزعيم أنه وحده القادر على تفسير هذه الارادة الشعوبية. والمواطنون قد فقدوا قدرتهم على التفويض،  فلا يعود بمقدورهم الاتيان بأي فعل، بل يتم استدعائم فحسب للعب دور "الشعب". هكذا يصبح "الشعب" مجرد خيال مسرحي،  ولضرب مثل على الشعوبية النوعية، لسنا بحاجة للحديث عن البياتزا فينيتزيا في روما أو مدرّج نورمبرغ. هنالك التلفاز والشعوبية الانترنتية، حين يصبح رد فعل عاطفي لجماعة من المواطنين هو الممثل  والمعبر عن"صوت الشعب"، أو ارادته.

لهذا تعادي الفاشية المحضة الشكل البرلماني "المتعفن" للحكومة. كانت أول الجمل التي ينطق بها موسوليني في البرلمان الايطالي: "قد كان بمقدروي أن أحوّل هذا المكان الكئيب والأصم إلى ثكنة عسكرية". وعلى أية حال فقد وجد مكاناً أفضل لعساكره، ولكنه فيما بعد حلّ البرلمان. كلما أثار سياسي الشكوك حول السلطة التشريعية أو البرلمان بحجة أنه لم يعد يمثّل "صوت الشعب"، يمكننا أن نشمّ رائحة فاشية أبدية.

١٤. الفاشية المحضة تتحدث النيوزبيك [Newspeak].  المصطلح اخترعه أورويل في روايته ١٩٨٤ ويقصد به اللغة الرسمية للإنغسوك، الاشتراكية الانكليزية أو الحزب الفاشي الحاكم في عالم الرواية. عناصر الفاشية المحضة مألوفة وظاهرة في أشكال كثيرة من الديكتاتوريات. كل الكتب المدرسية النازية والفاشية استخدمت مفردات لغوية فقيرة، لتقيد أدوات التفكير النقدي الحر والمعقد. ولهذا يجب أن نتربّص لأنماط أخرى متنوعة ومختلفة للنيوزبيك، أحياناً تتّخذ الشكل البريء للبرامج الحوارية الشعبية.


في صباح السابع والعشرين من يوليو، ١٩٤٣، أخبروني أن، بحسب تقارير الراديو، الفاشية انهارت وأُلقي القبض على موسوليني. حين أرسلتني أمي لأبتاع الصحيفة، رأيت جرائد بعناوين متباينة. وبعد قراءتها، أدركت أن كل صحيفة تقول شيئا مختلفا. ابتعت واحدة منهن دون نظر، وقرأت رسالة في الصفحة الأولى وقّعها خمسة أو ستّة من الأحزاب السياسية، بينهم كان الديموكراتزيا كريستيانا، الحزب الشيوعي، الحزب الاشتراكي، والبارتيتو داتزيوني، والحزب الليبرالي. حتى ذلك الحين، كنت أعتقد أنه ثمة حزب واحد فقط في كل بلد، وذاك الذي في ايطاليا كان البارتيتو ناتزيونالي فاشيستا. والان أكتشف أنه في بلدي ثمة أحزاب أخرى يمكن أن تتواجد معا في نفس الوقت. ولأنني كنت صبيا ذكيا، أدركت في الحال أنه لا يعقل أن تنشأ كل هذه الأحزاب بين ليلة وضحاها، لابد وأنهم قد تواجدوا لفترة طويلة كتنظيمات سرية.

الرسالة في المقدمة احتفت بسقوط الديكتاتورية وعودة الحرية، حرية التعبير، حرية الصحافة، والممارسة السياسية. هاته الكلمات، "حرية"، "ديكتاتورية"، "استقلال"- الآن أقرأهم للمرة الأولى في حياتي. وساعتها وُلدت من جديد كرجل غربي حرّ بفضل هذه الكلمات. 

يجب أن ننتبه كيلا ننسى معاني هذه الكلمات مجدداً. الفاشية الأبدية لا تزال حولنا، أحياناً في ملابس مدنية. سيكون من السهل جداً علينا، إن ظهر شخصاً في المشهد العالمي يقول: "أريد أن أعاود فتح أوشفيتز، أريد أن أرى مواكب القمصان السود في ميادين ايطاليا مجدداً." الحياة ليست بهذه البساطة. الفاشية المحضة قد تعود متنكرة في أكثر الأردية براءة. مهمّتنا أن نكشفها ونصوّب أصابعنا على أي من تمثّلاتها الجديدة - كل يوم، في كل مكان من العالم. 

كلمات فرانكلن روزفلت في الرابع من نوفمبر ١٩٣٨، تستحق التذكّر: 

"إن توقفت الديموقراطية الأمريكية عن الحراك قدماً كقوّة حيوية، تسعى كل يوم وليلة بطرق سلمية لأجل تحسين حياة مواطنينا، سوف تطرح الفاشية في أراضينا."

الحرية والتحرر مهمة لا تنتهي. دعوني أختم كلامي بقصيدة لفرانكو فورتيني: 

على متراس الجسر
رؤوس المشنوقين
في الغدير المتدفق
بصاق المشنوقين

على الحصى في الأسواق
أظافر هؤلاء الذين اصطفوا
 ليُطلق عليهم الرصاص
 على العشب الجاف في الخلاء
الأسنان المحطمة لهؤلاء الذين 
اصطفوا ليستقبلوا الطلقات

من العضّ على الهواء، 
وعضّ الحجارة
لم يعد لحمنا آدمياً
من العضّ على آلهواء، 
والعضّ على الحجارة
لم تعد قلوبنا آدمية.

ولكننا قرأنا في عيون الموتى 
ولسوف نجلب الحرية على الأرض

في قبضات القتلى المضمومة
تكمن العدالة منتظرة أن تتحقق.


*تُرجمت عن الانكليزية من هذا النص.

---------------------
*نبّهتني هند هيثم إلى المُراد من البادئة اللغوية (UR-) ذات الأصل الجرماني، والذي كنتُ أجهله،  إن أُلحقتْ بكلمة فهي تعني -حرفياً- الصورة "الأولية - البدائية - الأصلية" منها، لو فرضنا أن هذه "الصورة" قد وُجدتْ بشكل ملموس قديماً وسابقاً على كل الأشكال اللاحقة، لكن هذا لا يصحّ مع غرض إكو من وصفه للـ(UR-Fascism) والتي هي نموذج صياغي "محض"، ونحن نميل لاستبدال كلمة "أبدية" بـ"محضة"، كانت في نيّتي كذلك استخدام "خالصة" ولكني وجدتُ تأثير "محضة" أقوى، وفي ذلك استندنا إلى حوار لغوته مع إكرمان يعرّف فيه الـURreligion أنه "طبيعة نقية [محضة] وعقل نقي [محض]، من أصل الهي".    فالنموذج الذي يصفه إكو هو نموذج عقلاني [محض] لم يوجد قط بشكله هذا ملموساً بل قياسياً.  آيات الشكر والامتنان "المحض" والخالص كله لا تفي  هند هيثم حقها، لم يك يمكنني بأي حال من الأحوال أن أصل للشكل الحالي -والمُرضي لي نسبياً- من هذه الترجمة دون عونها.

Saturday, May 25, 2013

المتحرش المعبّأ سياسياً - ٢




الاستخدام  السياسي للتحرش يستلزم حشداً للمتحرشين، أي "تعبئة" للمتحرشين لأجل ارتكاب الفعل، مع كل الآثار النفسية التي تحدثها حالة "التعبئة" أو "التنظيم" في جمع من الناس: التعاون، التكاتف، الدعم الضمني الذي يمنحه كل فرد في هذا "الجمع" لغيره، ما يعظّم هذه الحالة أنه جمع "متجانس"، كله من الذكور، بنفس الظروف والحالات، تكونت فيما بينهم "رابطة" نفسية لحظية في مكان ووقت معين، لأسباب معينة، هو اذن جمع من الذكور، مُشابه للمجتمعات الذكورية التي يتولّد داخلها مقت لكل ما هو مخالف  لهويّتها الجمعية المتخيّلة، مثل مقت كل "نوادي الفتيان" للدخلاء من الفتيات، تتراوح ظاهرة نوادي الفتيان من مقت العسكر والجنود للنساء  المؤدي للعدوان عليهن سواء في أوقات السلم أو النزاعات المُسلّحة، إلى عدوان مُجتمعات لاعبي الفيديو الذكورية على امرأة "دخيلة" تحاول انتقاد الألعاب. الغرض السياسي من استخدام التحرّش هو التشديد على "الآبارتهايد الجنسي" أو الفصل الجنسي بين النساء والرجال، يتم طرد النساء من أماكن أو تجمّعات معيّنة لأنها "ليست أماكن للنساء"، لكن النساء يتواجدن يومياً وبحرية في الشارع المصري منذ مئات السنين، كيف يمكن اذن حل هذه المعضلة؟ الحل هو عملية "حشد" ذكوري بما يخلقه هذا من "كتلة" تؤمن فيما بينها أنها تستحق وحدها احتكار "الفضاء العام"، هو نفس تأثير الحشد/التعبئة/التنظيم السياسي الحزبي أو الآيديولوجي - لم يك لينجح هذا الحشد دون الكارت الأبيض للتحرش الذي تمنحه السلطة أو الأجهزة الأمنية، سواء بالتغاضي عن الفعل أو بتشجيعه أو باعطاء الأوامر الصريحة بارتكابه(*). مثل الكارت الأبيض الممنوح ضمنيا للجنود -من قِبل القادة العسكريين- في أوقات اجتياح المدن.

ينسى البعض أن حوادث التحرش لغرض الارهاب السياسي تقع في "الفضاء العام": الشارع، وحالة الحشد بين الذكور المتحرشين لا تُنسى بسهولة ولا تتلاشى آثارها النفسية متى ذهبت النية السياسية، بعد حادثة التحرش بالصحافيات في ٢٥ مايو ٢٠٠٥ أمام نقابة الصحافيين - وسط البلد- أبدى الجميع  حيرةً واندهاشا من حوادث التحرش الجنسي الجماعي شبه المنظم في عيد الفطر ٢٠٠٦  بمناطق متفرقة بوسط البلد. رغم أني أميل للربط بين الحادثتين.

 استخدام التحرش الجنسي كأداة سياسية - بالاضافة للأمثلة السابقة، التحرش الجماعي في ميدان التحرير نوفمبر ٢٠١٢ و يناير ٢٠١٣ وغيره -   قد انتقل بالمتحرش من مرحلة ارتكاب الجريمة ﻷنه يأمن العقوبة إلى ارتكابها وهو متأكدٌ أن هذا ما يريد فعله الرجال الآخرون في المكان، عزوفهم عن التحرش لا يُفسّر كالتزام أخلاقي بل لأنهم يفتقدون  الكارت الأبيض، الذي مُنح لـ"بعض" الرجال في "بعض" المواقف من قبل السلطة لخدمة "بعض" الأغراض سياسية. تكرار استخدام التحرش لأسباب سياسية  يقوّي الأثر النفسي لعملية الحشد السياسي المؤقت أو الدائم لعدد من المتحرشين، لقد تمت شرعنة العنف للأبد، وأصبحت حالة الحشد ممكنة وجاهزة وحاضرة سواء في اطار سياسي أو مع انعدام الاطار السياسي.

يُقابل هذا افتقاد النساء المتزايد لأي نوع من الحشد سواء كان اجتماعيا أو سياسيا أو نفسيا فيما بينهن، فالآثار النفسية للكارت الأبيض تعدّت التضامن بين المتحرشين من الذكور إلى مرحلة الضوء الأخضر للتجمع والاحتشاد لأجل التحرش جماعياً بأي مظهر من مظاهر "التنظيم/التضامن/التجمّع/الاحتشاد السياسي" بين النساء وبعضهن البعض، أوضح أشكال هذا ظهرت في حادثة التحرش الجماعي بالمسيرات النسائية بالتحرير في يوم المرأة العالمي ٨ مارس ٢٠١١.  قد يملك البعض رفاهية التصريح بأن "الاستخدام السياسي للاعتداء الجنسي على النساء" هو أحد "مظاهر المشكلة" وليس سبب لها حين يعقب هذه الحادثة مباشرة، أي في ١١ مارس ٢٠١١، كارثة كشوف العذرية.

التفرقة بين النساء وبعضهن البعض قديمة للغاية، فكما هنالك تفرقة طبقية هنالك تفرقة بين المرأة "العلمانية المستقلة" وبين المتدينة، فالمحجبة مختلفة عن غير المحجبة إلى درجة العداء، والمنتقبات ينتمين إلى "طبقات اجتماعية" مُهمشة و"بيئة" و"همجية" بينما التي تكشف شعرها تملك رفاهية الذهاب لمصفف الشعر يومياً، تصل أدوات البطريارك للتفرقة بين النساء وبعضهن البعض لمستوى "اقليمي"، فهنالك اهانة مستمرة وتصغير وتحقير للمصرية وحجابها أو سفورها مقارنة بغيرها من العربيات.  بشكل عام، هنالك "تفرقة" وتمييز وتصنيف وابتكار لأنماط وصفات عجيبة خرافية لأنواع مختلفة من النساء ليست موجودة إلا في رأس البطريارك أو المثقف المتحرش، وهذه تخدم غرضا وحيداً هو "اقناع النساء" أنفسهن وجعلهن يؤمّن بأن ثمة فروقاً غير متهاونة بينهن، لا يمكن المصالحة بينها أو اذابتها. إلى درجة أن يمارسن هن أنفسهن العنف النوعي (gender-based violence) ضد بعضهن في أماكن "الآبارتهايد الجنسي" مثل عربات المترو.

الملحوظ في حوادث التحرش الجماعي أن "الحشد" ينفرد في النهاية بامرأة واحدة فقط، الحشد يتوجه ليفصل امرأة واحدة عن المجموعة التي كانت تقف وسطها، يتم انتزاعها بعيداً، حتى في حالات الاعتداء علي المسيرات الجماعية للنساء، يبدو لي أن هذا الحشد "يفقد برمجته" حين يُواجه "بتجمّع نسوي" قوي ومتماسك، فهو عاجز عن ممارسة ارهابه اذا النساء احتشدن في المكان ولم يتفرقن. وقد يزول بالكامل، ويزول عنفه و"كارته الأبيض" وتعبئته السياسية اذا وُوجه بحشد نسوي "معبّأ" بالمثل.

Saturday, May 4, 2013

المثقف المتحرش - ١

أشعر بالاحباط من نفسي، كلما تذكّرت أو رأيت أو قرأت، أو عاودتُ القراءة، عن فتاة التحرير -في أحداث مجلس الوزراء، ديسمبر ٢٠١١- تدمع عيناي. وهو انزعاج من هذه الهشاشة تجاه الرمزيات، ظروف العنف النوعي (gender-based violence) الذي تعرضت له فتاة التحرير تحمل ثقلا رمزيا/وطنياً لم يتواجد في أحداث أخرى لا تقل بشاعة- مثل كشوف العذرية، مارس ٢٠١١- أو حتى الاعتداء على الصحافيات من قِبل بلاطجة النظام في مايو ٢٠٠٥. في دراسات العنف ضد المرأة في فترة الأزمات والنزاعات السياسية أو المسلحة هنالك رأي - أتفق معه- أن العنف الجنسي الموجه ضدهن المقصود به اهانة واذلال الهوية الوطنية - لقد وقعت في نفس الاختزال الرمزي، الاعتداء على جسدها تم استعيابه فكرياً كاعتداء على مفاهيم جمعية ميتافيزيقية من قبيل الشرف والوطن والقومية أو حتى الثورة نفسها. هذه المشاعر قادمة من نفس المكان الذي أتى منه العنف الجنسي في المقام الأول. هذا نزع لآدمية الضحية، تشييئها، وتحويلها إلى امتداد للهوية المركزية التي هي هوية الذكر، أو ملكية له. في هذا الفكر نفس السلبية الناعسة في تعبيرات مثل "مصر أمّ الدنيا".
و يتوازى مع التنميط القديم أن الذكور همّ المكلّفين بحماية "نساء الجماعة"، أو الوطن. إن العنف الواقع عليهن عارٌ لأنه يستهدف شرف الذكر حين لم يتمكن من حمايتهن. وليس لأنه جريمة في حق إنسان كامل الأهلية. مستقل تماماً عن غيره. هذه المونولوغات المختلّة تصل إلى مداها، ليس فحسب في الرمزيات المتبادلة بين نحن والعدو. حيث أن الاعتداء على "حريم" العدو هو تجريد للعدو من "فحولته"، والعكس صحيح. بل حين يتخذ البطريارك - ومن يقع في دائرة نخبته- "فانتازيا" منحرفة عن الجماهير. الجماهير الهستيرية، غير العقلانية، فاقدة الأهلية، التي تحتاج لوصاية، التي تسيء الاختيار، والتابعة لبطريارك، والمتطلّبة أو المسؤولة منه. 

الحجّة أن "تأنيث" الجماهير بغرض نزع الأهلية عنها وتبرير العنف ضدها، فكرة مصدرها أن البطريارك له مطلق الحرية في تعنيف شعبه فقط لأنه "الدكر" أو رجل البيت، وكل ما لا يتوحّد مع "هويته" يصبح في مرمى النيران.
 ورد هذا الاقتباس من كتاب سوزان براونميلر، "ضد ارادتنا":

العقلية النازية تصوّر الجماهير على أنها "أنثوية وضعيفة" - يخلص الاقتباس من كتاب براونميللر أن هذه العقلية هي التي سوف تلجأ بعد حين لكل أشكال العنف الجندري/السياسي تجاه النساء، كوسيلة قمعية. الاقتباس يساعد في استنتاج أن أبشع مستويات العنف هي الناتجة عن "خيالات" مرتكبيه عن الهوية القومية أو الوطنية أو هوية الأب نفسه كـ"رأس الدولة/النظام"، مثلا، عسكري الأمن أو الجندي يتخيّل نفسه متوحداً مع "نظام" قمعي مدافعاً عنه - عن بقاءه، بما أن بقاء النظام من بقاء زبانيته- وهذا يبرر العنف ضد النساء أو المعارضة أو المتظاهرين.

هي ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها باسم يوسف ميتافور بذيء مُهين للمرأة، لكنني أجده الأخطر.

فيه يقوم خالد منصور بتمثيل دور هزلي لامرأة اسمها "جماهير"، والمقصود، بالفعل، ميتافور ينطبق مع الاقتباس السابق للتخيّلات النازية المنحرفة عن الجماهير المقموعة والمستعبدة أو المستسلمة للسلطة سواء بارادتها أو نتيجة لحمقها وسوء اختيارها، والسبب الثاني هو الوارد هنا في الفيديو، جماهير امرأة اختارت الرجل الخاطئ، في اعادة تدوير لحالة "عنف منزلي" شائعة لكن في اطار الميتافور السياسي. يستخدمه باسم يوسف ليمرر رسالة أنه "ثمة دكر أفضل من الحالي.." فحسب. لا أكثر، ولا أقل. المثير للاهتمام كيف تمّت الاستعانة بعناصر أخرى للدلالة على "الدونية"، فجماهير تنطق حرف التاء  بالطريقة التي "يتخيل" النخبة - من أمثال باسم يوسف- أن نساء الطبقات الاجتماعية الأكثر تهميشاً، أو "الأقل" بشكل عام، تنطقه بها. (نفس اللكنة التي أدّتها دنيا سمير غانم في فيلم "طير إنت"، حين كانت تلعب شخصية بائعة في بوتيك") -نفس هذه اللكنة يهزأ منها باسم يوسف في "الإفّيه" الشهير "هانشد ميشد"، في نوع من الـbullying لامرأة ما لا أعرف سببا لاستهدافها بالاستئساد أو "التريقة". أو بشكل عام، لهجة جماهير مختلفة عن لهجة أسامة منير أو باسم يوسف "ممّن تلجأ إليهم لطلب المشورة والعون".

  تأتي تحرّشات وزير الاعلام الاخواني صلاح عبد المقصود في نفس التيار، صحيح أنه استفتح فترته الوزارية بتحرش جنسي سافر.
ليس جديدا على "الدولة" استخدام هذا الأسلوب لقمع المعارضة - من السيدات أو الرجال- واستخدام الاستهداف والعنف الجنسي، لكنه ظهر واضحاً في صورته "الرمزية"، التي يعبر عنها اقتباس براونميلر، المُسيء أن من يعدّ محسوباً على المعارضة والنخبة والمثقفين "يبتذل" هذه الرموز في أسوأ مستوياتها، صلاح عبد المقصود يستهدف الصحافيات اللائي يسائلنه عن حرية الصحافة أو الاعلام أو اللائي يشكلن تهديداً سياسياً له، وهو في موقعه الهشّ كوزير حكومة فاقدة الشرعية، يأتي تعبير "تعالي أقولك فين" مستهدفاً امرأة كرمز "للجماهير" - وبنفس العقلية التي كانت وراء اسكيتش باسم يوسف عن "الجماهير"، بوصفه مثقف متحرّش، لم يزد ردّ فعله- المحبط لكن المتوقع نوعاً- عن رفع مستوى "الإفّيه" المتحرش والمسيء للمرأة، بنكتة "تعالى ماسبيرو ونجيب ميرو" ردّاً على وزير "اعلام" متحرش، بطريقة، أنا أيضا في جعبتي المزيد مما لا تستطيع مجاراته. هي "عركة" تزداد وضاعة لأن الطرف المحسوب على النخبة أو المعارضة أو المثقفين غير قادر حتى على ادانة العنف أو التحرش.

Thursday, September 20, 2012

الصنم الدستوري

يمكن تفسير العجائب الموجودة في مشروع مواد الدستور المصري القادم بالتأمل في شعار حزب النور -السلفي- "هوية ودولة عصرية"، وفي تقديم "هوية" على دولة، طبعاً، ما يجري هو عملية تحويل الدولة إلى هوية، كتلك المواد التي تشترط حماية "الرموز الوطنية" و"ثقافة المجتمع" واللغة والآداب العامة والمقدسات، إلخ. لا حاجة لقول أن هذا الدستور، هذا النص سوف يتحول إلى مُجرد كلمات خُزعبلاتية على المدى الطويل، بل أنه كذلك حالياً، هو عبارة عن وثيقة ميتافيزيقية لا تمسّ الأرض، بل تلغي وجود الإنسان تماماً، بالطبع، كنا نقول أن مصر في العهد البائد كانت نكتة فلكلورية، حين كانت كياناً مُتخيّلاً من الفلكلور الميثولوجي الفرعوني، كي تقوم بوظيفتها كاملة كمقلب زبالة سياحي، كون بلداً ما نكتة فلكلورية بالطبع يلغي آدمية شعبه جزئياً: الشعب فعلاً هو تابلو سياحي جميل يحجب الرؤية عمّا وراءه من جموع كادحة.

والذي يحدث الآن هو الغاء كامل للإنسان. ويساعد على ذلك جو سياسات الهوية المستعر حول العالم، سياسات الهوية حول العالم ترسّخ لاحساس التهديد من خطر خارجي يستهدف الهوية المحلية، رغم أنه خطر وهمي، فاستهداف هوية شعب، أو طائفة، أو عرق، باستهداف رموزه ومقدساته ليس أخطر -بأي حال من الأحوال- من استهداف أفراد هذا الشعب أو الطائفة أو العرق، الأفراد من لحم ودم. لكن، بالطبع، تفخيم الهوية وتسليح الهوية يفيد السلطة، الهوية مُكوّن سلطوي، صنم غير مبال بالإنسان ولا معاناته، وما يجري في مواد الدستور هو تحطيم مفهوم الدولة الحديثة، الدولة التي تقدّم خدمات عامة للشعب من تعليم و صحة وطاقة و دعم اجتماعي أو عدالة اجتماعية، وحين تتحطم الدولة وتتحوّل إلى هوية لا تتلاشى حقا الغاية وراء وجودها، أي الحماية، بل تبقى، وتصير الهوية وحظيرة الهوية -هوية الصنم، البطريارك- هي الحامي والمأمن والراعي من الذئاب التي تتربص بالقطيع- إنها فكرة خزعبلاتية بالكامل حين يؤمن الغالبية أن من يحميهم هو مطابقة هويّتهم للنموذج المقترح في الدستور، وخروجهم عن النموذج سوف يعرّضهم للخطر.

حين يُستبدل كيان الدولة الخدماتية بالهوية لا تعود السلطة -ممثلة في الحكومة الحالية- مُطالبة بالتزامات تجاه الشعب، لا تعود مُطالبة بخدمات تعليم أو صحة أو تغذية أو عدالة، ولا تعود مُطالبة بميزانيات مُكلّفة -وعموماً، فإن سياسات الهوية مُفيدة للبِزنِس، ومفيدة لسوق السلاح. ويصير مقياس نجاح السلطة/الحكومة ميتافيزيقياً: هل تحمي "الهوية" أم لا؟

Wednesday, September 5, 2012

العاطفة والسلاح




يعطي هذا الاقتباس فكرة عن سوق العمل - العالمية- هذه الأيام، يفترضُ -بناء على دراسة مزعومة لـ"نفساني" اسمه والتر ميشِل، أن "عدد الثواني" التي يستغرقها طفل في الرابعة لمقاومة حلوى المارشمِللو، هي مقياس "موثوق" لمدى تفوّقه الآكاديمي والعملي في حياته المستقبلية. حسناً، أنا لا أتحدث بشكل خاص عن بجاحة استخدام كلمة "موثوق" إنما ما يروّج- في فضاءات الثقافة الشعبية- من خرافات تتعلق بسوق العمل/أو الدراسة، ومواصفات/مقاييس النجاح الإنساني. التي لم تعد إنسانية أبداً. 

يعتمد الاقتباس- سواء كانت دراسة حقيقية أم لا- على تحيّزات موجودة سلفاً في ذهن المتلقّي: منها احتقار ما يمكن تسميته بالـ"ضعف الانساني" أو كل ما يجعل المرء انساناً، بتعبير آخر، ومنه ما يتوقع من أي طفل في الرابعة لن يقاوم اغواء الحلوى، ولكي يُعطي انطباع وهمي بالوسطية وعدم المبالغة فهو يدّعي أنه مُجرد "مقياس/إندكس" يعتمد أساليب "علمية/رياضية/دقيقة" مثل "عدد الثواني". لكنه سيان، السؤال: مُذ متى كانت مقاييس النجاح العملي والدراسي بهذه "اللا-آدمية"؟  يفترض وجود "كائن" منيع على "الضعف الإنساني" يستطيع مقاومة الحلوى. 

اذن، الاستنتاج أن عدم تمكّن الفرد من الحصول على تعليم جيد/شهادة راقية/وظيفة جيدة هو خطأه بالكامل، بل أن الاقتباس يفترض نتائج أكثر ميتافيزيقية حين يُلغي كلياً عامل العنف المنزلي/البيئة/الظروف/الحالة الاقتصادية/الظلم الاجتماعي، ويُرجع أسباب الفشل إلى مصدر مجهول، غامض، فوق-واقعي، فلا أحد يعرف بدقة لماذا قد يقاوم طفلٌ المارشميللو ولا يقاومه آخر. خاصة أن السنّ المقترح صغير جداً على تكوين الشخصية -أربعة سنوات، أقل من اقتراح فرويد: خمسة سنوات- اذن هو لوم الضحية من جديد، لكن ما علاقة هذا بسياسات سوق العمل الحالية؟

نتيجة لتسيّد مبدأ الربح، الربح للربح، تقليل التكلفة - لدرجة أنه، قطاعات مؤسسية كاملة المفترض والمتوقع منها أن تهتم بالعامل البشري، تضمن ظروفا آدمية له، وتحرص على حقوقه داخل المُنشأة الرأسمالية - وأعني قطاع "الموارد البشرية"، بغض النظر عن أدبيات تنمية الموارد البشرية المعاصرة فإن دور هذا القطاع في أية شركة "خاصة" هو "تقليل التكلفة"، بينما يصبح دور بقية القطاعات "تعظيم الربح". إن قطاع الموارد البشرية الناجح - بحد تصوّر هؤلاء- هو الذي يؤدي عمليات Downsizing ناجحة، وذلك باقناع العاملين أن كثرتهم "تقلل الأرباح"، أي تؤدي لفشل الشركة عملياً. إنهم "غير مُنتجين"، مُهدرين للوقت والجهد والمال. خرافات الموارد البشرية (وتنميتها) لها أصلٌ متمثل في عمليات احلال الآلة محلّ الإنسان في المصنع. المفترض اذن أن العامل البشري - في الأصل - غير كفء. وبحاجة لتنمية، قطاعات الموارد البشرية هي المسؤولة عن لقاءات التوظيف وهي بالطبع المسؤولة (أو الحارس والحامي) لأفكار "التخصص وتقسيم العمل" لماكس فيبر واعادة تأكيد مبادئ الادارة العلمية.

وهذه الأفكار تنتمي للقرن العشرين، قبلها، في كتاب "الآيديولوجيا الألمانية"، اقترح كل من انغلز وماركس وجود طبقة تمتلك وسائل الانتاج المادية، وهذا يعني بطبيعة الحال امتلاكها لكل النتاج الفكري لمجتمع ما، كان هذا في القرن التاسع عشر وما قبله: وثمة طبقتين، طبقة مالكة وأخرى عاملة، في القرن العشرين -قرن الطبقة الوسطى- وأفكار ماركس وانغلز لا تزال وجيهة، بشكل خاص: "حين يكون هنالك فريقان من الأفراد داخل هذه الطبقة نفسها - أي الطبقة المالكة- إن فئة منهم ستضم مفكري هذه الطبقة، الآيديولوجيين الفعالين، القادرين على الارتفاع إلى مستوى النظرية، الذين يكسبون أود حياتهم الرئيسي من انشاء الوهم الذي تكونه هذه الطبقة عن نفسها، في حين أن الآخرين سيكون لهم موقف أكثر سلبية، موقف التلقي لهذه الأفكار وهذه الأوهام، لأنهم فعلا الأعضاء الفعالون في هذه الطبقة، وليس لديهم متسع من الوقت ليكونوا أوهاماً وأفكارا عن أشخاصهم."

قد تُفسّر هذه الفقرة كونها تقصد "الطبقة الوسطى" بتلك الفئة "السلبية فكرياً" والفعالة من الناحية العملية، لكن الملاحظات من الميول اللا-آدمية لسوق العمل الحالية أنها تروّج لخرافات عن وجود أفراد - ليس شرطا انتماءهم لطبقة معينة- بفعالية وكفاءة تامة، ليست الفكرة مُجرّد أن تحل الآلة محلّ الإنسان في المصنع، الإنسان غير الكفء، العامل مثير الشغب، كثير الانجاب، الهمجي، المهمش، المهاجر (immigrant)، العاجز فكرياً، الخ: إن الآلة اذن هي الذكاء الغبي -بحد تعبير جان بودريار- هي لم تصل بعد لمستوى الأفراد الذين يصفهم اقتباس ماركس وانغلز "الآيديولوجيين الفعالين"، بل أن الآلة في الواقع سوف تكون - أو صارت- العضو الفعّال في الطبقة المالكة، التي "تتلقى الأوهام" وتنفّذ.

العاطفة

نزع الآدمية عن الانسان العامل- لجعله أكثر كفاءة - يمهّد لهذه النتيجة ولو نظرياً (وفنيّاً)، في عصر الثورات فإن الطبقة العاملة هي التهديد وهي العدو، وهي الفوضى وهي نهاية الحضارة، وهذا ما توافق عليه هوليوود في أكثر أفلام الخيال العلمي ذيوعاً: أفلام الخيال العلمي التي تتخيل نهاية الحضارة الغربية -أو مرحلة مستقبلية متقدمة للغاية منها، مثل Terminator بأجزاءه، والماتركس، و District 9 و بروميثويس وغيرها، لا يعود ثمة تقسيم طبقي تقليدي: تختفي الطبقة العاملة، ويحلّ محلها -كأفراد عاملين/فعّالين، منفذين، خدميين: آلات من الذكاء الاصطناعي، إنها الطبقة "السلبية آيديولوجياً" بحسب اقتباس ماركس وانغلز، والتي تُقدّم حلاً نهائيا ومريحاً "لمشكلة" الطبقة العاملة، أخصّ بالذكر شخصية ديفيد من فيلم ريدلي سكُت الأخير، بروميثيوس، مذ ظهر الروبوت ديفيد على الشاشة كان يؤدي أعمالا متدنية- التي قد يقوم بها "الخدم" في منزل برجوازي تقليدي- لكنه في الوقت ذاته "يعلّم" نفسه ذاتياً، يتشرّب ويتشبع -يسجّل، من حيث كون الآلة كذلك ذاكرة ذات سعة تخزين مهولة- أفكار الطبقة العليا: التاريخ، اللغات، الموسيقى، الفنون، الأفلام - فيلم لورنس العرب بشكل خاص، ولا ندري لماذا اختير  لورنس العرب، إلا أنه شكل بدائي ومباشر للعلاقة "المثالية" في نظر الامبريالي، بينه وبين أهل المستعمرات -الأدنى منه "حضاريا" أو فكريا- المسألة أن ديفيد الإنسان الآلي يشاهد الفيلم، ويتأثر بشخصية لورنس و يحاول محاكاتها جسدياً، كمحاولة مؤكدة لمحاكاة و "حفظ" المبادئ الثقافية/الفكرية "للطبقة العليا"، الطبقة التي "صنعت" ديفيد. منذ ظهور ديفيد وهنالك تلميحات درامية "لإنسانيته"، صحيح أنه بلا مشاعر، إلا أن لديه "اهتمام" غريب بإليزابِث شو، المستكشفة والعالِمة التي كانت ضمن طاقم المركبة الفضائية "بروميثيوس"، إن إليزابِث تنتمي للطبقة العليا، طبقى أعلى من ديفيد الروبوت، إن ما يفرق بينهما أنها، إليزابث "فعّالة آيديولوجياً"، هي "مؤمنة" بأفكارها عن أصل الإنسان والحضارات - وكذلك مركزية الإنسان الغربي- إن ما تبدو رحلة فضائية استكشافية بريئة هي في الواقع محاكاة للارساليات الكولونيالية، خاصة مع تماثل "ايمان" إليزابِث وحبيبها/زميلها  بالإيمان "بأرض الميعاد" و"أقاليم العهد القديم" بحسب التعبير الانجيلي -في الفيلم، والد إليزابِث كان كاهناً في ارسالية - و ديفيد إنما - بوصفه العضو السلبي آيديولوجياً والفعّال عملياً- يحاكي الكولونيالي (لورنس العرب).

 حبيب إليزابِث - البشري- في الفيلم لا يتمتع بنفس "قوة إيمانها"، إلى جانب كونه شكوكي فهو "غير كفء"، في مشهد موحٍ كان فيه يعاقر الخمر، يتودد إليه ديفيد ويدس في كأسه الجرثومة التي سوف تقتله فيما بعد. في نهاية الفيلم، لا يبقى من أعضاء البعثة الفضائية إلا إليزابِث - التي رغم تعرّضها لامتحان لايمانها، لا تزال مُصرّة على تقصّي واكتشاف هذا الإيمان- و ديفيد الآلي، لقد تم تصفية كل البشر -غير الأكفّاء، سواء آيديولوجياً أو عملياً- على المركبة، ولم يبق إلا العضوين الأكثر تطرّفاً. ويشكّل إليزابِث و ديفيد "ثنائياً" ناجحاً، فهي الآيديولوجيا، وهو "التقنية": هو الوحيد الذي يُجيد التكنولوجيا اللازمة لاستكمال بعثتهما. صحيح أنه في فيلم سكُت ليس واضحاً كلياً كون "ديفيد" الآلة، في الواقع، أداة قتل شديدة الكفاءة، تماماً مثل طائرات درون. وأظن أن المُخرج تجنّب هذا المنحى الدرامي لأنه عولج في فيلم الترمينيتُر.



السلاح

 في ترمينيتُر - خاصة الجزء الثاني- تظهر الآلة التي كانت تحاول قتل سارة كونُر - والدة زعيم المقاومة المستقبلية ضد الآلات- وقد أصبحت في صفّ سارة وابنها. إنها نتيجة طبيعية، حين صارت الطبقة الحاكمة هي صاحبة الآيديولوجيا، ممثلة في زعيمها جون كونُر، بينما يصبح الترمينيتُر العضو السلبي آيديولوجياً الفعّال عملياً، هنالك تراتبية ملتبسة، فعملية اعادة برمجة الترمينتُر وارساله للماضي/الحاضر -رغم كونها نظرياً في المستقبل- صارت حدثا "سابقا" على أحداث الفيلم ذاتها:  سارة كونر وابنها، والمطاردات، والقتل. بينما صارت كونُر والابن هي المستقبل الذي يجب حمايته، مستقبل البشر - أو الحضارة الغربية، بشكل خاص- على لسانه في الفيلم، حين يسأله الطفل كونُر لماذا عليه أن يقتل أي شخص في طريقه، يجيب الآلة أن هذا مُبرر لأنه آداة "قتل/Terminator" بالمعنى الحرفي. بغض النظر عن تمجيد العنف في الفيلم وتصويره على أنه الشيء الوجيه الوحيد الذي يجب على طفل في الحادية عشر من عمره أن يتعلمه -في مشهد، يسخر جون كونُر الطفل من زملاءه من الصبية الذين لا يلعبون إلا النينتِندو (قد تُفسّر سخرية الطفل المُبالغ فيها كذلك كازدراء لكل ما هو غير أمريكي)- في نفس المشهد الذي يكتشف فيه مع الترمينيتُر كنزاً من السلاح - أعدّته سارة- بينما يتبادلان الابتسام والرضا. فيما بعد، تتأمل سارة ابنها و الترمينتُر وهم معاً متفاهمين، وتفكّر في أن الآلة هو البديل المثالي - الكفء- للأب أو الرجل في الأسرة، فهو لا يسكر ولا يضرب الطفل ولا يؤذيه وسوف يظل معه للأبد. (سوف يظل آلة القتل الخاصة به، طبعاً)، أجواء الفيلم تعكس تطرّفاً آيديولوجياً - حتى لو كان بلا معالم- فآيديولوجيا سارة كونُر واضحة: ابنها، جون كونُر، "أولوية"، ليس لأنه ابنها، بل لأنه زعيم المقاومة المستقبلية، الحب بين الأم والابن باهت وهامشي. واهتمام الأم بابنها ليس بسبب كلاسيكية العلاقة بين الأم والابن -في مشهد تلوم فيه سارة ابنها لأنه أتى لانقاذها وتخليصها من سجنها، وتخبره أنه لا أهمية لها حتى وهي أمّه، بينما له هو كل الأهمية لأنه "الزعيم"-  هذا يعني أن كثيرا من الأبرياء سقطوا قتلى -ضحايا- معارك بين طرفين فوق-واقعيين، خياليين كلية! الترمينتُر الخاص بكونُر، والآلة الأخرى - شرير الفيلم- الذي بعثته التقنية المتمرّدة. فكما أن بطل الفيلم الآلي هو خير مُتخيّل/خرافي، وغير آدمي، فإن الشرّ كذلك خرافي (غير آدمي). المهم أن شخص واحد - يمثّل، في الواقع، فكرة- هو الأولوية المُطلقة، ولا بأس ولا ضرر إن قُتل أو تأذّى كل ما عداه.
 يبلغ الفيلم منعطفا مخيفا حين يجلب مشهد كادت فيه سارة كونُر أن تقتل الرجل الذي اخترع التقنية المؤدية فيما بعد لأن تسود الآلات - وهو، أمريكي-أفريقي!- إن مشهد تعرّض رجل أسود للعنف، الأذى، الاصابة، والقتل، يُبرَّر على الشاشة، بمنطق الأولويات الذي يسوقه الفيلم. الآلة/الترمينتُر تُحافظ علي الأولويات الآيديولوجية ويكون دورها هو حمايتها دون تسامح، كما أنه يمثّل آلة حفظ/Hard Drive للحضارة الغربية، في مشهد تُعاد برمجته ليصبح أكثر استيعاباً لما يُمليه عليه الطفل كونُر من مبادئ ثقافية.



الوحش

فيلم ترمينيتُر -وغيره-  يقدم تخيّلاً مباشراً لهذا الشكل الطبقي المُفترض، حين صارت الآلات تمثّل الطبقة العاملة/العدو، التهديد الموجه للحضارة الغربية، إن التقنية، في أصلها، هي الجزء المادي/العملي من الجهد الإنساني، وهي شكل من أشكال الأنشطة الحِرفية التي احتقرها منظّرو الفلسفة الغربية في بداياتها الاغريقية، بطبيعة الحال: التقنية تثير الريبة، تُهدد الشقّ الفكري من الحضارة الغربية، صحيح أنها حالياً هي الجانب الكفء/الفعّال/المُدرّ للربح/والمقلل للتكلفة إلى أقصى حدّ، والذي يُروّج بوصفه المثال والنموذج للنجاح العملي: المفترض أن يقاوم الانسان نزعاته "الانسانية" مثل العواطف، الشوق لأكل الحلوى، إن هذا يجرّده ويجعله أكثر "أماناً" على مبادئ السيادة التي تسوقها الطبقة المالكة لوسائل الانتاج الفكري والمادي، ويجعله أكثر نفعاً فهو لا يكلّفها، ولا يخطئ في تخصصه العملي. لكن الآلات - والأشكال الآلية من العمّال والعتبة الهشة بين الآلة-والإنسان- تُسبب ذعراً داخل الخطاب الرسمي للمركزية الغربية، يكاد يُماثل الذعر من الهامش/العمالة المهاجرة قليلة الأجر/المخلوقات الفضائية القبيحة (كما يقدمّها فيلم District 9 ) إنها الكائنات التي تصنع التقنية/الأدوات، وتجيد استخدامها/لها دورها الحِرَفي، بل لا أحد -من الفعّالين آيديولوجياً-  يجيد التقنية غيرها (في مشهد موح، رجل عصابة يرغب في التحول لمخلوق فضائي خصيصا كي يتمكن من استخدام أسلحتهم).
 إن اعادة انتاج ومعالجة هذه الثيمات التي تصوّر آلات ثائرة على الحضارة الغربية أو مخلوقات فضائية شديدة البشاعة والتوحّش لكن تتمتع بذكاء تقني مُخيف - وربما هكذا كان يتصوّر آرسطو تفوّق المصريين القدماء في التشييد- يعكس ذعر المركز الغربي من طبقة جديدة هامشية هو من صَنَعَهَا، روّج لها بخرافاته، وبارَكَهَا.